|
|
حسني بك البرازي
Husni al Barazi1895 - 1975 |
|
|
Husni al-Barazi was born in 1895 in the Syrian city of Hama into a prominent landowning family of Kurdish origin. He was educated in Istanbul and received a degree from the Istanbul School of Law. During the French Mandate, Al-Barazi joined the Syrian opposition to French rule, but in 1926 he was arrested for his opposition activities and was exiled to Lebanon. Upon returning to Syria in 1928, Al-Barazi ran for parliamentary elections and was elected a Member of the Syrian Parliament. He was appointed Minister of Culture from 1934 till 1936, then Governor of Alexandretta (Iskandaroun) from 1936 to 1938. In April 1942 he was appointed Prime Minister, but was removed from his position and isolated by the French authorities in January 1943, following which he again moved to Lebanon. Al Barazi returned to Syria in 1946 and remained in his position as Member of Parliament during all the military coups that took place from the late forties until the mid fifties. During this period, he was accused of plotting against the state and was arrested several times. He went into final exile in 1954, when, while he was on a trip to Turkey, he was accused of plotting and conspiring against Syria, and was sentenced to death in absentia. In the late 60’s, al-Barazi was pardoned on account of his old age but never returned to Syria; he remained in exile between Lebanon and Turkey, where he died in 1975. |
|
| (The text below is a transcription of an audio interview. Times in parentheses denote the approximate position of the text in the audio stream.) |
|
|
مقابلة مع دولة الرئيس
مذكّرات حسني بك البرازي
(00:00:00) (00:00:00) ج ـ ولدت في حماه، سوريا سنة 1895، وقد أتى أجدادي إلى حماه منذ 150 سنة، وهم من عائلة كرديّة كبيرة تتألّف من حوالي 30 ألف نسمة، مركزها في قسم من الأراضي التّركيّة،كطرابلس كعين العرب وأورفة وسروف وهندراباس. ولا يزال إلى اليوم من القبيلة البرازيّة أناس رحّل يسكنون الخيام ويرعون الإبل والأغنام. غير أنّه يوجد أيضاً أناس منهم متحضّرون يسكنون في بلدة عين العرب وطرابلس وغيرها من المناطق التّركيّة. والعائلة ببدوها وحضرها على اتّصال وثيق بعضها ببعض. وقد أتى إلى هنا اثنان أو ثلاثة من المناطق الكرديّة في الشّمال. أمّا جدّ العائلة هنا فيدعى محمد عرب باكي، وقد كان له عشرة بنين وأربع عشرة بنتاً من أمّهات أربع كانت خامستهنّ أمّة حبشيّة. فالرّجال في السّابق كانوا يتزوّجون غير واحدة، (نحن طبعاً هل إيأم من واحدة منخاف لو يصرلنا نقسم المرأة اثني) إذ كانت عندهم جرأة ووسائل الحياة متوفّرة ما في هل كماليّات هل واجبات، ما في هل أعباء للأبناء وللبنات من دراستهم يعني صار عبء كبير. (00:03:16) ج ـ لي ثلاثة إخوة وثلاث أخوات. مات منهم أخوان وأخت. وأنا دخلت بالمدرسة. (00:03:41) (00:03:41) ج ـ لا. واحد منهم تعلّم والآخر لم يكمل دروسه. أمّا أخواتي فلم يتعلّمن. ففي ذلك الوقت لم يكن المحيط محيط دراسة، كما أنّ الدّراسة في أيّام الدّولة العثمانيّة لم تكن منتشرة وميسّرة. أمّا أنا فقد أكملت دراستي الإبتدائيّة في ثلاث سنوات ثمّ دخلت "الرّشيديّة" حيث بقيت أربع سنوات. وكان المعلّمون كلّهم من الأتراك، وإن وُجد معلّم عربي فيما بينهم فقد كان يعلّم العربي بالتّركيّة، لذلك كانت لغتي العربيّة ضعيفة، بعكس لغتي التّركيّة، طلعنا بالعربي سطل. وقد درست العربية فيما بعد على أساتذة خصوصيّين. ثمّ أكملت دراستي الإعداديّة في استانبول وحلب. ففي استانبول كنت طالباً داخلياً في المدرسة الإعداديّة ثمّ دخلت معهد الحقوق حيث بقيت أربع سنوات. وقد كنّا 1200 طالب في صفّ واحد ينقسم إلى أربع شعب. في زمن سلطان عبد الحميد وبزمن سلاطين بني عثمان يعني الحقيقة كانت حماستي للدّراسة تقودني إلى المرتبة الأولى في الصفّ، وقد حافظت على هذه المرتبة في جميع الصّفوف ولا سيّما في معهد الحقوق حيث استأثرت بالمرتبة الأولى طيلة السّنوات الأربع التي قضيتها فيها. ولم يتخرّج من الطلاّب من الألف والمئتين إلاّ 750 طالباً فقط. تخرّجنا في الحقوق وكنت أتابع الدّروس بانتظام لا أدخل ولا اطلع إلاّ من المدرسة إلى البيت طالب جدّي منصرف تماماً. (00:07:16) ج ـ كان الطلاّب من العرب والروم والأرمن والأتراك ومن عناصر أخرى من الدولة العثمانيّة كلّها. وكنّا نتسابق على المرتبة الأولى، غير أنّني كنت أحظى بها دائماً، حتّى أخذ النّاس يتذمّرون: كيف ابن العرب يفوز بالمرتبة الأولى حتّى على الأتراك، في حين أن لغة التّدريس كانت التّركيّة. وكان من جرّاء ذلك أن قدم وفد من دمشق ليتعرّفوا بحسني البرازي كيف بياخذ الأوّليّة. وكان على رأس ذلك الوفد المرحوم سعيد الغزّي. وقد كتبت الصحف في مصر عن ذلك. أمّا رفاقنا فقد كانوا المرحوم سامي الصّلح، وقد تخرّج عام دخولنا، كما كان من اللّبنانيّين سيف الدّين الخطيب وتوفيق البساط ورياض الصّلح الذي بقي مدّة قصيرة ولم يكمّل تحصيله هناك، كذلك كان معنا ابن عمّه عفيف الصّلح وممتاز الصّلح أخو سامي. أمّا من السّوريّين فقد كان معنا الكثير. وقد أُعدم عدد من رفاقنا كتوفيق البساط من صيدا وجدال البخاري وسيف الدّين الخطيب. وكان ذلك في عهد جمال باشا السّفّاح. أمّا من العراقي فقد كان ناجي شوكت، رئيس الوزارة العراقيّة السّابق، وتوفيق السّويدي وكان هناك يوسف العظمي. (00:09:56) ج ـ كان أكثرهم يذهب إلى أوروبا غير أنّ عدداً منهم كان يدرس في استانبول، كرفيق رزق سلّوم الّذي أُعدم كان في اسانبول، وفائز الخوري الذي كان رفيقاً لنا في معهد الحقوق وكان نائباً.وهذا كان من رفاقنا نوري السّعيد الذي كان يدرس في المكتب الحربي في العراق مع عدد من العسكريّين منهم جعفر باشا العسكري وغيره من القوّاد العسكريّين. أمّا في المركز الطبّي فقد كان يوجد عدد من العراقيّين والسّوريّين. وكانت الجامعة الأميركيّة في بيروت من أفضل جامعات تركيا لنظامها وقوّة الدّروس فيها وإتقانها، كما كان أساتذتها جميعهم من خرّيجي أوروبا وأميركا. أما نحن فقد كان أساتذتنا في معهد الحقوق من أعظم الأساتذة ومن الإختصاصيّين. حقوقيّين جزائيّين دوليّين. أذكر منهم علي حيدر، وكانت له مجلّة مطبوعة، ومصطفى خوزي الذي أصبح شيخ الإسلام، وهرميّان خسرويان وكان أرمنيّاً ولكنّه كان رجلاً قديراً، وجلال الدّين عارف كان من أساتذة الحقوق. وكان من بين أساتذة الحقوق أيضاً إسماعيل حقّي بابان وهو من عرب الأكراد. (00:12:21) (00:12:21) ج ـ كان ذلك أثناء الدّراسة. فقد أسّسنا نحن الشّبان العرب هناك النّادي الأدبي. وكان هذا المنتدى مكاناً اخترناه يجتمع فيه الطلاّب العرب للمذاكرة والمداولة. وفي ذلك الوقت بدأت الحركة القوميّة العربيّة تظهر إلى الميدان، وكنّا من المتحمّسين لها. وكان النّادي يتّخذ صفة أدبيّة لا سياسيّة لانّ النوادي السياسيّة لم يكن مرخّصاً لها. فكنّا نحن الطلاّب العرب نجتمع على اختلاف أقاليمنا ومدننا. وبدأ النادي يتّخذ صفته السّياسيّة عندما أخذنا نتّصل بالنوّاب العرب من كلا مجلس النوّاب ومجلس الأعيان، وقد كنت أداوم على حضور جلسات مجلس النوّاب. وقبيل نشوب الحرب، أي حوالي سنة 1913، استدعانا جمال باشا، الذي كان قد عُيّن قائداً في الجيش الرابع في سوريا ولبنان لقيادة الحملة المصريّة. وكان ذلك على أثر قيامنا في تظاهرة لنزور في السجن الجنرال عزيز علي المصري المعروف بوطنيّته. وكانوا قد تنبّهوا لهذه التّظاهرة فأوقفونا ثمّ أطلقوا سراحنا واستدعوا وفداً منّا لمقابلة جمال باشا والتّباحث معه. وقد كنت على رأس الوفد والمتكلّم باسمه. وأذكر من أعضاء الوفد المرحوم الأمير عادل أرسلان من رفاقنا وكذلك رابع الكيخيا من حلب وزير كان معي يدرس الحقوق وابراهيم الذي كان أكبر منا وسعد الله الجابري وشكري العسلي وعبد الوهّاب الإنكليزي. وكان هؤلاء من الشبّان اللاّمعين وطنيّة ودراسة. قال لنا جمال باشا: "بأيّة صفة تتكلّمون؟" قلنا: "بصفة كوننا عرباً وبصفة كوننا شباب عربي يدرس ويسعى لتأمين حقوق البلاد العربية، فحقوقنا مغموطة سواء أكان ذلك في العلم والدراسة أم في العمران". قال: "أنا لا أقبلكم بهذه الصّفة، بل أقبلكم على أنّكم عثمانيّون أتراك، من رعايا الدولة العثمانيّة". قلنا له: "نحن لا نتكلّم بهذه الصّفة، ولا نقبل ولذلك فسننسحب". ونهضت وتبعني بقيّة الأعضاء وقتها كانت الشجاعة توصل الى المقصلة. فلحقونا وطلبوا منّا الرجوع. ويبدو إن جمال خابر طلعت باشا الذي كان رئيس للوزراء وهكذا عدنا إليه. (00:18:17) ج ـ قلنا له في أثناء الحديث: "إنّ لنا كياننا العربي وإنّ لغتنا هي العربيّة، وهي تُدرّس في مدارسنا كما تدرّس اللّغة التّركيّة. لذلك نريد حكماً قومياً عربياً في بلادنا ضمن إطار عثماني. فإنّ لأمّتنا ماضياً مجيداً وتاريخاً ناصعاً، فلا يجوز أن تطمس معالم تاريخها وأوضاعها السّياسيّة الماضية بهذا الشّكل. ومن الصعب هضم الأمة العربية والقوميّة العربية بل إنّها لا تُهضم، فقد أثبت التّاريخ في جميع أدواره أنّ للأمّة العربية التأثير والكيان والمكانة العظمى. وتوسّع البحث واحتجّينا على توقيف عزيز علي المصري وقلنا إن هذا الإضطهاد لا يجوز. وثابرنا على الإجتماع في النادي الأدبي. (00:19:45) ج ـ وضع النادي تحت المراقبة. وصرنا نشعر بأنّنا مُراقبون دائماً. وعندما أوشكت الحرب على الوقوع سجّلوا أسماء أعضاء النادي كلّهم ثمّ أخذوا يتحرّون عنّا، وأتى جمال باشا إلى هنا حاكماً. وكان الحاكم قبله زكي باشا البرازي، وهو من أقاربنا، فجاء مرّة إلى حماه نزل عندي وأخذنا نتباحث فقلت له: "إنّ الحرب أصبحت على الأبواب ونحن في الخدمة المقصورة ـ أي المقصورة على المتعلّمين والمتخرّجين الّذين كانوا يُرسلون ضباط إحتياط. وكنّا فئة محدودة تقتصر على حوالي ثلاث مئة عربي. وكان هدف الحكومة أن يأخذونا ويتدبّروا أمرنا وذلك بإقامة "حفلة إفناء" لنا. فاعتذر زكي باشا عن ذلك قائلاً إن أحوال العرب صعبة لأنّهم في وضع سياسي معيّن. قال لي مرّة عبد الكريم خليل، وهو أوّل مَن أعدمه جمال باشا وهو من صيدا أو صور - شيعي: "بإمكانك أن تترك الخدمة المقصورة وتنخرط في النفر العادي". ووافقت على ذلك وقدّمت الطلب إلى الأقلام العسكريّة وأصبحت أشتغل بالكتابة، بينما كان أكثر رفاقنا موزّعين في أماكن مختلفة، في القلعة واستانبول والدردانيل، كما كان بعضهم في الأناضول وعلى الحدود الروسية والحدود البصرية. أما انا، بهذه الواسطة، فنجوت من الخدمة العسكرية وانخرطت في الخدمة غير المسلّحة. وتولّى جمال باشا بعد زكي باشا. وقد كانت ساعة وصول جمال باشا من الساعات الرّهيبة في حياتي، ذلك لأنّني كنت على رأس وفد الطلاّب الذين قابلوه في اسانبول وكان وضعي معه شديد. وأراد جمال باشا أن يتصرّف بالطلاّب العرب الذين استثنوا من الخدمة المقصورة، فصففنا اثنين اثنين في صفّ طويل، ثمّ بدأ استعراضه بعنفوانه وشكله الطّاغي السفّاح، وقد عملت كلّ ما بوسعي كي لا يراني وجهاً لوجه. صرت أختبئ باللي أمامي كي لايراني فلو رآني لكان أرسلني رأساً إلى المقصلة... هذه من ذكرياتي الأولى. (00:23:54) أثناء الحرب العالمية الأولى عملت بالزّراعة، فعائلتنا كلّها تتعاطى الزّراعة، كذلك اشتغلت بالسياسة: بالأمور القومية والحزبية، فقد كان هنالك حزب العهد، وكان منقسماً إلى قسمين: قسم عراقي وآخر سوري، فعملت على توحيد هذا الحزب ووفقنا إلى ذلك وأخذنا نعمل ضمن حزب العهد الواحد، وهو حزب إستقلالي قومي عربي، وكان يضمّ السّوريين واللّبنانيّين والعراقيّين والأردنيّن والفلسطينيّين. (00:25:03) ج ـ كلاّ، لم يصبح المصريّون عرباً ألاّ في عهد جمال عبد النّاصر عندما اتُّّخذت العروبة وسيلة للإستغلال وأصبحت قميص عثمان. لم يعلم المصريون إنهم عرب بل كانوا يرفضون القول إنّهم عرب فهم مصريون فقط. كانوا يسمّون اللّبناني أو السّوري بالخورشامي ويدعوننا بالشّوام. والشّوام عندهم بعيدون عن المصريّين. (00:25:52) ج ـ بقي على حاله إلى حين نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914. (00:26:12) ج ـ ابتدأ الحزب في استانبول ومن ثمّ إلى العراق فإلى الشام. وتوحّد مبدئيّاً قبل نشوب الحرب. (00:26:35) ولمّا نشبت الحرب قام الشّريف حسين، وهو والد فيصل، بقومته المعروفة، ضدّ الدولة العثمانية داعياً إلى استقلال العرب. وكان الحسين أوّل مَن نادى بالقوميّة العربية وبالإستقلال والوحدة العربية وتحقيق مطالب العرب. وكانت ثورته التي قام بها أوّل ثورة عربية حقيقية في هذا العصر. وقد جاء أبناؤه فيصل وعبد الله وعلي إلى الشام قوّاداً مع الجيش الإنكليزي وكانوا بالأمام وكان الجيش وراءهم. طبعاً بعد 400 سنة من الحكم العثماني لم يثر أحد الا بعد المجازر التي حصلت بحق الناس. أما نحن فقد أيّدنا الثورة وانهزم الجيش التركي من جراء الحملة العسكريّة على مصر على قناة السّويس، وأتى الجيش الإنكليزي ثم جاء الملك حسين وجيشه وكان على رأسه الملك فيصل الأوّل ودخلوا سوريا فاتحين مطالبين بالاستقلال العربي. وفي أثناء ذلك كان الملك فيصل الأوّل ضيفاً عندي ينزل في بيتي في سوريا. وتمّ فتح سوريا وأعقبها لبنان وفلسطين والأردن، وبدأ الكيان العربي بالظهور وتوّج الملك فيصل كأمير على سوريا ثم عاد يتعقّب الحقوق السّياسيّة. وكانت الحلفاء في أثناء ذلك تتحضّر للإجتماع مع الفئة الثّانية. هذا وقد عُيّنت في عهد فيصل مفتّشاً للعدليّة في سوريا. (00:30:45) ج ـ حوالي 25 سنة. فقد أنهيت دراستي في العشرين أو الواحد والعشرين من عمري تقريباً، أي في سنة 1914. وبعد أن دُعيت للتّفتيش أتى المستر كراين الأميركي على رأس لجنة دوليّة للتّحقيق في موضوع استقلال البلاد العربية. فكلّفني حزب العهد، وكنت آنذاك أمين سرّه، بمقابلته. فقابلته وتحدّثت معه وطالبنا بالإستقلال وتأمين الحقوق القوميّة العربيّة. وكان دايزن كامل الإتجاه الرسمي للملك فيصل وكان رضا باشا رئيساً للوزراء والحكم القائم مطالبين بانتداب أميركا. وإن لم تقبل أميركا فإنكلترا. أما فرنسا فقد رفضت رفضاً باتّاً. (00:33:05) ج ـ هكذا كان اتّجاه الأكثرية. فقد كانوا يسمعون أن الأميركيين والإنكليز لا يعرفون المستعمرات، بعكس الفرنسيين. فالجزائر وتونس ومراكش في غاية من البؤس. وكذلك كان الرأي في لبنان. أمّا نحن، حزب العهد، فقد قرّرنا إنّه لا يجوز أن نستثني فرنسا ونقبل بغيرها. فإمّا الإستقلال وإمّا رفض الإنتداب كلّه. ووجدنا أنّ المصلحة العربية القوميّة تقضي بأن يعلو صوت من البلاد العربية، وخاصّة من سوريا، ضدّ الإنتداب. مطلق طلب الإستقلال. وبصفة كوني مفتّشاً عدليّاً، اعتُبر ذلك منّي خروج عن السياسة الرّاهنة، وأرادوا أن يسحبوني من حمص مركز عملي. وعندما جاء كرين إلى دمشق تسلّمت برقية مفادها أن أذهب إلى دمشق وأقابله. ولكنّني رفضت الذّهاب فكان عملي قد انتهى هناك. ولم أذهب لأقابل كرين وهكذا قدّمت استقالتي. ثمّ صمّمت على السّفر إلى فرنسا بغية إكمال علومي ونيل الدكتوراه. فدرست الفرنسيّة على نفسي، ذلك أن الجامعات التركية لم تكن تدرّس اللّغة الفرنسية. وأصبحت أستطيع التّعبير عن نفسي بالفرنسية في المفاوضات والمباحثات. ثمّ ذهبت إلى باريس. وفي مدّة لا تتجاوز الشّهرين أجدت الفرنسيّة وقدّمت طلباً للإمتحان في "الفاكولتي" و"السوربون". ودخلت كلية الحقوق وأخذت أداوم الدّراسة في السوربون إلى أن أتى الملك فيصل إلى لندن مفاوضاً. وفي تلك الأثناء كانت الدول الحليفة قد تآمرت للإستيلاء على البلاد العربية واقتسامها. فكانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا. وهكذا قالوا للملك فيصل أن يذهب إلى باريس فذهب. وقابلته هناك وصافحته ـ وقد كنّا أصدقاء ـ وقال لي:"ماذا تعمل هنا"؟ قلت: "تركت التّفتيش لأكمل دراستي". فمانع وعارض فكرتي (وكان رئيس وزراء فرنسا آنذاك المسيو كليمنصو، وهو رجل من رجال فرنسا العظماء). وأصرّ الملك على أن أكون معه في المفاوضات قائلاً: "إنّها فترة تقرير مصيرنا والمصير العربي، ولا نقدر على الإستغناء عنك. فأنت رفيقنا في الجهاد والنضال وأرى أن تكون برفقتنا". وهكذا اضطررت على ترك الدراسة والتحقت به إلى أن انتهت المفاوضات. وقد أدّت هذه المفاوضات إلى إبرام عدّة أمور منها معاهدة بين سوريا وفرنسا. وبعد المفاوضات حاولت البقاء في باريس ولكنّ الملك أصرّ عليّ بالعودة معه. فرجعنا. وقد استقلّينا قطاراً خاصاً من باريس إلى تولون وكان بانتظارنا في تولون بارجة حربية تدعى جان جاك روسو. وفي ثلاثة أيام وصلنا إلى بيروت حيث جرى للملك فيصل استقبال حافل ضمّ من الزعماء اللّبنانيين ساسة قدماء من آل الداعوق وسرسق وبيهم وثابت وبسترس وبقيّة العائلات القديمة التي كانت تشتغل بالسياسة. ثم ذهبنا إلى دمشق. وهنالك عقد مؤتمر رفضت المعاهدة المتّفق عليها مع كليمنصو. وكان هاشم الأتاسي رئيساً للمؤتمر، كما كان متصرّفاً لحمص وهي ذات مركز حرج دقيق بالنسبة للحدود اللبنانية فقد كان وجود الفرنسيين في لبنان وجوداً قوياً. وألحّ الملك فيصل عليّ أن أكون متصرّفاً في حمص خلفاً لهاشم الأتاسي. فذهبت إليها كمتصرّف وفي تلك الأثناء حدثت مناوشات بين الجيش السوري والجيش الفرنسي. (00:39:42) ج ـ كان الجيش السوري صغيراً محدوداً بمعدّاته وضبّاطه الذين درسوا في الدولة العثمانيّة. وقد جرت المناوشات سنة 1919. ثمّ معركة ميسلون المعروفة واستشهد المرحوم يوسف العظمي، وانهزم الجيش السوري. كان انهزامه منتظراً لأنه لم يكن منظّماً. وكان دخوله الحرب بالأساس خطأً تاريخياً وغلطة قوميّة كبرى فقد دخلوا الحرب دون استعداد. ومع ذلك لم يكن انهزامهم عبرة لهم. وعندما لا يعتبر المرء تتكرّر الحوادث. كذلك كانت التّفرقة والغلوّ وعدم الوقوف عند الحدّ كلها عوامل لنكبة البلاد. وبدأت النّكبة بوقتها بعد الحرب. فلو عقد فيصل مع الفرنسيين اتّفاقاً يحفظ الكرامة على غرار اتّفاقه مع كليمنصو، لكان أولى وأنفع. وهكذا ذهبت خمس وعشرون سنة سدى من الـ 20 ـ 45 راحت هدر كلها مشاحنات وخلافات وثورات أدّت إلى خراب البلاد بزراعتها وثروتها وصناعتها وثقافتها. وأنا كنت دائماً ميّال للإيجابية وتحمّل المسؤوليّات. وعندما يكون الإنسان واثقاً من نفسه فهو يرغب في تحمّل المسؤوليات. في تلك الفترة كان التّطرّف هو الرّاجح. (00:42:42) ج ـ كانت دراسة الملك فيصل محدودة، ولكنّه كان خارق الذّكاء، وكان رجلاً عاقلاً جذّاباً متواضعاً ذا ضمير حيّ وإيمان قومي وإيمان عربي وشهامة وإخلاص. وكان بسيطاً في حياته ومعيشته بعيداً عن التعصّب.وأثبت أنه كان واضع روحه على كفّه وأتى إلى الشام قبل الحرب وقابل شخصيّات مختلفة من العرب وانا كنت بيناتهم ورجع إلى والده الشّريف حسين ورتّبوا هل ثورة وكانوا بمعونة الإنكليز وقتها ماديّاً ومعنويّاً وتوفّقوا أن يعلنوا هل ثورة ويؤسّسوا هل كيان العربي ـ القوميّة العربية. رجل ذو شهامة وإخلاص وضمير حي نذر حياته للقومية. (00:44:14) ج ـ تعلّم في مدارس خاصّة. كان والده عضواً في مجلس الأعيان في استانبول، فدخل فيصل مدارس تركيّة، كما درس على نفسه بمساعدة أساتذة خصوصيين. أمّا لغته العربيّة فلا بأس بها مع أنه لم يدرسها دراسة متقنة، إي أنّه كان ذكيّاً بالفطرة ناضجاً رزيناً. وأحسن صفتين فيه هما الإيمان والإخلاص لأمّته العربيّة دون أي تعصّب لدين ومذهب بل بحريّة تامة. (00:45:14) ج ـ أقلّ من سنة. (00:45:20) ج ـ المتصرّف هو رئيس الإدارة المسؤول. ويمثّل جميع الوزارات المركزيّة، كما يمثّل الحكومة. (00:45:50) ج ـ المحاكم الشّرعيّة ودائرة الأمن العام والمحاكم القضائيّة والشؤون الماليّة والعدلية التي ما زالت نفسها حتى الآن. وهو المسؤول عن النظام أمام الحكومة ويمثّل الحكومة في جميع شؤونها. (00:46:30) ولمّا دخل الفرنسيون طبعاً انا انسحبت وغادر الملك فيصل سوريا. وكان علاء الدّين الدّروبي آنذاك رئيساً للوزارة. وكان هنالك هاشم الأتاسي وعبد الرّحمن اليوسف. ولمّا انسحب الملك فيصل قتل الثوّار عبد الرحمن اليوسف وعلاء الدّين الدّروبي في حوران. وقد انسحبنا لأمور سياسيّة وللعمل لأجل القوميّة العربية. انسحبنا ورفاقنا من لبنانيين وسوريين وعراقيين وفلسطينيين، وبقينا مثابرين على العمل وعلى الإتّصال بعضنا ببعض بواسطة الرّسائل والإجتماعات. (00:47:45) ج ـ نعم لا أزال ولكنّها مبعثرة. فقد أمضينا في المنفى والسجون مدّة كبيرة كما انتقلنا من مكان إلى آخر. ففي سنة 1926 كانت الثورة مشتعلة في البلاد السورية، فدعيت أنا ورفاقي إلى بيروت للمفاوضة واجتمعنا بالمفوّض السامي دي جوفنيل وببعض الشّخصيّات الفرنسية البارزة. وقد كنت على رأس المفاوضين. وتمّ التّفاهم بيني وبين دي جوفنيل واتّفقنا على تأليف حكومة على رأسها الداماد صهر السلطان بني عثمان الذي كان ساكناً هنا. فأصبح رئيساً للوزارة، وتسلّمت وزارة الدّاخليّة واشترك معنا في الوزارة فارس الخوري ولطفي الحجار وأشخاص آخرون. وما أن اكتملت الوزارة حتّى اتّفقنا في غضون اسبوعين من المفاوضات على أمور معيّنة لحفظ كرامة البلاد واستقلالها، ولحفظ الحقوق القوميّة. وكان ذلك في شكل معاهدة عُيّنت فيها حدود المصالح الفرنسية الإقتصادية وتعترف باستقلال البلاد وبكيانها القومي. وكان هو رجل متسامح وسياسي محنّك مخلص كان لفرنسا وظهر منه نحونا اعتراف بالحقوق وبالمسائل القومية وذهب دي جوفنيل ليعرض على الحكومة الفرنسية الإتّفاق الذي تمّ بيننا وبينهم. غير أنّ الحكومة الفرنسية مع الأسف رفضت الإتّفاق وقالوا ان الجيش الفرنسي رفضه بحجّة أن مثل هذا الإتّفاق لا يمكن تنفيذه إلاّ بعد أن يقمع الجيش الفرنسي الثورة السورية بالقوّة، وذلك لحفظ كرامة الجيش. هذه العقلية الفرنسية. استقال دي جوفنيل على أثر ذلك احتجاجاً منه على هذه المعارضة. وقد كان رجلاً شريفاً صاحب قول ومسؤول عن كلمته وعندما علمنا بذلك قلنا: "ونحن أيضاً سنستقيل". غير أنّ السّلطات الفرنسية هدّدتنا إذا نحن قدمنا على هذا الأمر. وأعلمنا الجيش الفرنسي والمفوّض السّامي أنّه في حال إقدامنا على الإستقالة فسيعتبروننا من الثّوّار، إذ إننا نكون بعملنا هذا نشجّع الثورة. وبالتّالي سيتمّ اعتقالنا. غير أننا أصررنا على الإستقالة مهما كلّف الأمر ذلك لأننا كنّا قد قبلنا بالمنصب شرط تنفيذ البرنامج وعلى أساسه تتوقّف الثورة. وهكذا قلنا لهم: "إذا كنتم لا تقبلون بذلك نترك المسؤولية عليكم، المسؤولية التاريخية، أما نحن فقد قمنا بواجبنا، ولم ندخل الحكم ولم نقبل بتسلّم الوظائف من أجل المراكز بل لكي نحلّ القضيّة السّياسية بين فرنسا وسوريا ونؤمّن الحقوق لهذا البلد. وأصررنا على الإستقالة واستقلنا. وفي اللّيل أقلّتنا كالعادة إلى حمص سيارات مصفّحة تحت حراسة شديدة. (00:53:14) ج ـ كلاّ، ثلاثة وزراء فقط: أنا وفارس الخوري ولطفي الحفّار. أما الآخرون فبقوا. لقد تخاذلوا امام هذا الموقف. وهكذا بقي الدامار وكذلك الرئيس، مع أننا كنا قد تعاهدنا على أنه إذا تركنا نحن يترك هو. ولكنه لم يترك. وأخذنا من حمص إلى الحسكة، وكانت آنذاك قرية صغيرة في الصحراء، وبقينا تحت المراقبة والحراسة الشديدة. وكان معنا سعدالله الجابري مع أنّه لم يكن عضواً في الحكومة، كذلك كان معنا فوزي الغزّي وفارس الخوري ولطفي الحفّار والصحافي بدر الدّين الصّفدي والمحامي أديب الصّفدي. وبقينا هناك شهرين في الحرّ الشديد. أخيراً أشفق الفرنسيون علينا فنقلونا إلى لبنان ـ لبنان منفانا الدّائم ـ نفيت أنا وفارس الخوري ولطفي الحفّار إلى أميون الكورة، أما فوزي الغزّي وسعد الله الجابري فقد نفيا إلى دومة الكورة. وبقينا في أميون سنة وكنت لم أتزوّج بعد. هناك تعرّفت بصديق هو الأستاذ يوسف يزبك، المؤرّخ وكان من المعتقلين. وكان أعزب أيضاً. وتوطّدت عرى الصّداقة بيننا وبقينا سنة سويّاً. إنّ بيني وبينه صداقة متينة وإني أقدّره لما يتحلّى به من إخلاص وثقافة. في أميون لم نكن معتقلين في السّجن بل كانوا يسمحون لنا أن نختار مقرّ مسكناً ضمن البلدة. (00:56:21) ج ـ كانت المراقبة شديدة، ولكنّها لم تحل بيننا وبين الإتّصال بالخارج. من مذكّرات المنفى أن رئيس الإستخبارات في الجيش الفرنسي، الكومندان تراكول رغب ذات مرّة أن يزور السّراي في أميون. وبصفة كوننا وزراء منفيّين، دعينا إلى زيارته في السراي، فرفضت، ذلك إنّني لم أكنّ لهم أي ودّ. فأصرّ عليّ فارس الخوري ولطفي الحفّار بالذهاب فلم أقبل فذهبا وحدهما وقابلا الكومندان فسألهما عن سبب تخلّفي قائلاً: "هلاّ يزال يظنّ إنه وزير للداخلية في سوريا"؟ فقال له فارس الخوري ولطفي الحفّار: "إنّه عنفوان الشباب. وهو متألّم من النّفي والإعتقال". وأبدى الكومندان استعداده لتنفيذ أيّة خدمة يستطيع تقديمها لهما، ففوجئنا بالطلب. وكان المرحوم لطفي الحفّار مولعاً بالحمّام ولم يكن هنالك حمّامات إلاّ في الأسواق. فبادره المرحوم لطفي الحفّار قائلاً: "حمّام"؟ ومعنى ذلك الذّهاب إلى طرابلس. فليس في المنطقة كلّها حمّام إلاّ في طرابلس. ووافق الكومندان على طلبهما وسألاه أن يسمح لي بالذهاب معهما، فلم يقبل. وأخبراني بالقصّة، فلم أهتمّ لأنني منذ أن ذهبت إلى استانبول صغيراً اعتدت على الحمام البارد كلّ يوم. وانتظرا حوالي خمسة عشر يوماً ثمّ جاءت التّعليمات مكوّنة من خمسين مادّة كلّها لأجل الحمّام. وأتى ضابط فرنسي بسيّارة مع نفرين فاستقلّها فارس الخوري ولطفي الحفّار واستقلّ ضابط آخر سيارة ثانية، وسارت أمامهما سيارة أخرى مليئة بالجنود الفرنسيين ووراءهما سيارة مماثلة: أمامهما سيارة درك ووراءهما سيارة درك. ولما وصل الموكب إلى البحصاص، مدخل طرابلس، كانت قوّة من الجيش والشّرطة في انتظارهما وسار الموكب إلى السراي وصعد فارس الخوري ولطفي الحفار إليها ليثبتا وجودهما عند المستشار الفرنسي، ثمّ ذهبا إلى الحمام. ثمّ رجعا بالتّرتيب ذاته. وكان الحمام محاصر والكلام ممنوع مع الطرابلسيين وما شابه ذلك. وقال فارس الخوري للطفي الحفار: "ما رأيك بهذا الحمام"؟ فأجاب: "هذا تشهير وليس بحمام. الحقّ مع حسني البرازي في عدم المجيء. تبّاً لها من مكافأة" قال له فارس الخوري: "يجب أن نكتم عنه ما حدث كي لا يشمت بنا". وبالفعل كتما عنّي الأمر ولكنّه ما لبث أن اشتهر وأصبح كلّ من في أميون يعرف القصّة. بقينا في أميون سنة ثمّ ذهبنا إلى بيروت. (00:56:71) ج ـ نعم كنا نتكلّم في البيت، وكنا نبحث الأمور التي نريد القيام بها. وكنا على اتّصال مع الآخرين إلى حدّ محدود. وقد بقينا في بيروت سنة أخرى. وهكذا بقينا في المنفى سنتين: سنة في أميون وسنة في بيروت. فقد أتينا إلى المنفى سنة 1926 وعدنا إلى سوريا سنة 1928. (01:01:49) وجرت إنتخابات الجمعيّة التأسيسية وفزت بالنيابة عن حماه. واجتمعت الجمعية التأسيسية بغية سنّ دستور للبلاد يحدّد الحقوق والواجبات والمصالح بيننا وبين الفرنسيين. وفي أثناء البحث في مشروع الدستور نشب خلاف بيننا وبين الفرنسيين. فقد أراد الفرنسيون إضافة ستّ مواد إحترازيّة تعيّن حقوقهم. غير أنّ ستّ مواد من هذا النوع تقييد للسيادة الوطنية وإرادة لسلب الحكم منا. وقد اندمج في ذلك الوقت حزب العهد وحزب الإستقلال تحت اسم الكتلة الوطنية. أما نواب الكتلة فقد كنا نحو عشرين نائباً. (01:04:09) ج ـ كانت بقية الأحزاب مستقلّة. أما الكتلة الوطنية فكانت تتألّف منّي ومن إبراهيم هنانو وسعدالله الجابري وشكري القوتلي ومظهر رسلان من حمص، كما كان فيها بعض الأعضاء من حلب. أما مجموع أعضاء الجمعية التأسيسية فكان حوالي ثمانين عضواً، عشرون منهم ينتمون إلى الكتلة الوطنية. ونشب الخلاف ورأيت نفسي مجبراً على قبول المواد الستّ حلاًّ للمشكلة، ذلك أن وجهة نظري واقعية وإيجابية. ولم أرَ في المواد الستّ مانعاً شرط أن نتسلّم الحكم ونقود المجلس. فنحن هم المتعلّمون الأقوياء الخطباء أما الآخرون فليس لهم مثل قوّتنا. وذلك يعني أن الحكم والتّشريع يصبح بيدنا. هذا ولم يكن في يدنا قوى أو وسائل نحارب بها الفرنسيين. وقد بقينا على ذلك من سنة 1919 إلى سنة 1928. عشر سنوات ضاعت على البلاد. فمن الأفضل إذن أن نقبل بتحمّل السؤولية إن كنا أمناء بضمائرنا وليس لمجرّد اعتلاء المناصب. هذا وليس لأحد منا قوّة شخصيّة أو ماديّة تخوّله الذهاب إلى فرنسا فيواجه رجالها ويشتكي ويتكلم ويعقد المؤتمرات. إذن ليس علينا إلاّ القبول. وقد كان المجلس بأكثريّته ميّالاً إلى ذلك. كنا نحن، الكتلة الوطنية، وحدنا المعارضين. هذا والمجلس بحاجة إلى مَن له القدرة على الخطابة والكلام ليقوده. كان الفرنسيون قد حاولوا إقناعي، ولكنّهم ظنّوا إنه من المستحيل أن أقبل بذلك فكلّفوا غيري تأليف الحكومة. وهو المرحوم شكري الجدّي، أحد إخواننا نواب حمص. أما أنا فقلت لرفاقنا وعلى رأسهم هنانو والجابري ورئيف الخوري ـ وقد كنا معاً في المجلس ـ قلت لهم إنني قبلت وٍأنني سأقف وأخطب بهذا السياق. وهذا يعني أن المسألة حُلّت وإنه لا رفض بعد الآن وإنه قد انتهى الأمر. واستغرب رفاق الدّراسة أمري هذا وكيف سنكون بعضنا ضدّ بعض ونحن رفاق. غير أن القضيّة هي مسؤولية تاريخية، كما سبق وذكرت وفي رأيي إنها أنفع وأفضل. فلماذا لا ننظر إلى الأمور بواقعيّة. إننا جماعة لا مال لنا ومع ذلك نريد أن نرسل وفداً إلى فرنسا يشكو ظلامته ويعقد المؤتمرات في أوروبا. إذن ما علينا إلاّ الإذعان كي نستطيع القيام بهذه الأمور التي بحاجة إليها في هذا البلد. ولذلك فعلينا القبول بهذه الخطوة لكي يصبح الحكم بيدنا كما هو المجلس بيدنا. وإذا نحن لن نتوصّل إلى تحقيق غايتنا الوطنية فما علينا إلاّ الإنسحاب، فنحن آمنون من أنفسنا. غير أن الرفاق لم يقبلوا وألحّوا عليّ بالرفض فرضخت ونزلت عند رغبتهم تلك خلافاً لقناعتي ولحدّ الآن أندم على ترك هل موضوع وعدم القيام به. أكثر من عشر سنوات من 28 ـ 45، 17 سنة ضاعت. (01:09:50) ج ـ لو قبلوا كان مشي الحال. كان عدم قبولهم خوفاً من الشارع، مع أنهم لو قبلوا لكان ذلك ربح لنا وللبلاد. لو قبلوا كان شي 20 سنة مربح وكان بإمكاننا بهذه الوسائط مجلس تشريعي والحكم بيدنا وهكذا رفض المجلس. كنا نحن، العشرون نائباً، على رأي واحد. أما بقية النواب فقد لاذوا بالصمت حتى شكري الجندي الذي كان قد عهد إليه الكلام، فلم يجرؤ على ذلك. كان ينظر إليه المفوض السامي فيسكت وينظر للأرض ويدير وجهه. موقف شجاع... وكان من جراء هذا الرفض أن حُلّ المجلس وإذا بالنواب يجدون أنفسهم ضعفاء مرة أخرى. فلم تكن هنالك إمكانات تكفي للدفاع عن الحقوق. وتسلّم الفرنسيون البلاد وقبضوا على مرافقها بيد من حديد: على الزراعة والصناعة، وحتى على الدراسة. وشعر النواب بالخطأ، وقالوا: " ليتنا سمعنا من حسني البرازي". في سنة 1932، وكانت الإنتخابات النيابية قد قربت قرّرت الكتلة الوطنية مقاطعة الإنتخابات، غير أنني رفضت القرار وعزمت على خوضها، وقلت: "حتى لو كنت في المجلس بمفردي فباستطاعتي أن أعتمد على نفسي وأعمل ما هو نافع لبلادي". وأصرّ الرفاق على أن أقاطع الإنتخابات. وأصررت على خوضها. ثمّ إن المرحوم جميل مردم بك قرّر أيضاً خوض الإنتخابات مناورة. وكان المرحوم جميل مردم رجلاً ذكياً شريفاً، ولكنه كان يتلاعب، مناورجي. فاتّفق، بعد تمرّدي على قرار المقاطعة، هو والمندوب السامي سوليماك ومحمد علي العابد المرشّح لرئاسة الجمهورية. وكان محمد علي العابد رجلاً أميّاً ولكنه كان مفرط الغنى. فأعطى ثلاثين ألف ليرة ذهبية إلى سولمياك بواسطة المرحوم جميل مردم، فقلبوا الوضع رأساً على عقب خصوصاً بعد تظاهري ضدّهم. وحاربني الفرنسيون. كنت والمرحوم والد زوجتي في قائمة واحدة ضدّ المقاطعة وكدنا نفوز لولا انه رمى الأصوات من الصندوق صارخاً بهم: "هل لكم عندنا شيء بعد"؟ كان والد زوجتي وطنياً، وقد أدّى للبلاد خدمة عظيمة، وكان متصرّفاً في حماه. وتمّت الإنتخابات، وكان ذلك سنة 1932، وعادوا إلى السّلبية والخلافات وإلى الخوف من الشارع وإلى النظريات المتطرّفة. وقام الفرنسيين بعد مدة إلى حلّ المجلس، وألّفوا وزارة برئاسة الشيخ تاج الدين الحسين. وفي عهد تسلّّم العابد رئاسة الجمهورية، اشتركت بالحكومة وزيراً للمعارف، وبقيت تلك الحكومة مدّة سنتين برئاسة الشيخ تاج الحسيني. (01:17:31) وكان أسلوب الفرنسيين هو السيطرة على جميع الوزارات. وكان لكل وزارة مستشار يقرّر كلّ شيء. فلما تسلّمت وزارة المعارف قلبت الوضع رأساً على عقب وجعلت نفسي المسؤول والوزير. وعرف كل من انتسب إلى وزارة المعارف في دمشق أنني كنت أنا المسؤول الأوّل والمتصرّف في جميع الأمور. وكنت أتصرّف بأمور كثيرة دون الرّجوع إلى أي مرجع، وكان ذلك بالطبع لمصلحة البلاد. وبقيت في وزارة المعارف من سنة 1934 إلى سنة 1936. وفي تلك السنة حدث تقارب بين جماعة الكتلة الوطنية والفرنسيين، فقد أراد أعضاء الكتلة الوطنية أن يقوموا بتجربة ثانية مع الفرنسيين، فاستقال الشيخ تاج الدين الحسني وذهب هاشم الأتاسي وجميل مردم إلى باريس للمفاوضة وهناك عقدت معاهدة مع الفرنسيين. أما أنا فقد استقلت. كان المفوّض السامي حينئذٍ دى مارتيل، وكان ينظر إليّ نظرة تقدير واحترام. فكلّفني بالذهاب على اسكندرون، وكانت محافظة مستقلّة فيها نظام أساسي عقد بمعاهدة دولية ـ معاهدة لوزان ـ عطوها شكل إستقلالي وقد تنازل رئيس الجمهورية عن حقوقه للمتصرّف. وكان المندوب السامي فيها رجل يدعى دريو. وذهبت إلى المحافظة، وكان المتصرّف هناك رجلاً من أهالي اسكندرون يدعى إبراهيم أدهم وهو موظّف مطيع لا شأن له ولا موجودية. فناولته المرسوم فقال: "أريد أن أرى المندوب". قلت له: "أي مندوب؟ لماذ؟ انت متصرّف. مواطن سوري. هل تظنّني أتيت لأتسلّم الحكم بمرسوم مزوّر"؟ قال: "إسمح لي". وذهب إلى عند المندوب وجلست أنتظره. وفي تلك الأثناء أرسلت إلى مدير التحرير (أي مدير القلم) أن يرسل برقية بوصولي وتسلّمي المنصب. ورجع المتصرّف ورأى الورقة على الطاولة فسألني: "ما هذه"؟ قلت له: "هذه أمانة في عنقي، فمن حين وصولي إلى هنا أصبحت المسؤول عن نظام هذا البلد. أما أنت فقد خالفت القانون. أنت سوري، ومن الأفضل أن تحافظ على كرامتك، وإلاّ فلن ترى مني أيّة معاملة حسنة". قال: "ألا تستطيع أن ترى المندوب"؟ قلت له: "أنا أتيت ألى هنا وعليه أن يأتي لزيارتي. هذه تقاليد البلاد". وأبلغ المتصرّف المندوب السامي فأتى هذا الأخير ليراني وقال لي: "هل باستطاعتك تأخير تسلّم منصبك لمدّة 24 ساعة"؟ قلت له: "وما السبب"؟ قال: "كي يتسنّى لي الإتّصال بالمفوّض السامي". قلت له: " معلوم انّه بموجب نظام البلد لا يتعيّن محافظ ألاّ بالموافقة من المفوّض السامي. فالمحافظ تعيّنه الحكومة السورية ويوافق عليه المفوّض السامي. أليس كذلك؟ هذا هو توقيع المفوّض السامي على المرسوم. وأنت تعلم أن التوقيع ليس مزوّراً. فلا يستطيع أحد أن يزوّر إمضاء كهذا. لذلك لا أستطيع أن أتأخر حتى ولا دقيقة واحدة، لأنني إذا تأخرت كنت لا أعرف واجبي ولا أحفظ كرامتي تجاه الدولة التي كلّفتني بهذه المهمّة. فارجو أن تكون منطقياً، سمعت بأن أصبح لك في هذا اللّواء حولي 13 سنة فلا أريد أن يكون موقفك كهذا الموقف". وانصرف المندوب. ولا أظنّه إلاّ اتّصل بالمفوّض السامي وأخبره بما جرى بيننا. عند دخولي السراي كان أوّل ما لفت نظري علم فرنسي كبير وعلم ثاني صغير أبيض. قلت لهم: "ما هذا"؟ قالوا: "هذا هو العلم السوري". قلت: "عند الصباح أريد أن يكون هنا علم رسميبنفس حجم العلم الآخر". وهذا ما حدث. ثمّ إني اشتريت حوالي ثلاثة اعلام من جيبي الخاصّ، حاسباً بذلك حساب السيارة. وفي الصباح أتوني بالسيارة وكان عليها علم صغير، فقلت لهم: "ما هذا العلم الصغير؟ إنه ليس بعلم. أريد علماً كبيراً". وكان ما أردت. ثمّ ذهبت إلى الدائرة فأتوني بالقرارات والمعاملات، وعليها توقيع المندوب. فسألتهم عن ذلك فقالوا: "القرارات يوقّع عليها المندوب ثمّ المحافظ". قلت: "لا أقبل بذلك". فأنا المسؤول هنا وأنا أقرّر نظام الدولة، ومن ثمّ تذهب القرارات إلى عند المندوب، فإذا لم يوافق يعترض وإذا وافق يوقّع". قالوا: "ولكننا منذ عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة ونحن سائرون على هذه الطريقة في جميع المعاملات والقرارات. هكذا كان يفعل المحافظ السابق". قلت: "كل قرار بتعيين موظّف أو مأمور وكل معاملة مالية يجب أن تكون عندي هنا في الديوان". قالوا: "ليس عندنا ديوان. الديوان ديوان المندوب". قلت: "ليبقَ للمندوب ديوانه ولكنني سأفعل ما قلت: "للمندوب أن يعارض، ولكن إذا لم أوقّع أنا لا يستطيع موظّف أن يتوظّف ولا المعاملات أن تنجز، وكل شيء يتوقّف. إن المحافظ هو الأساس وليس المندوب". كان ذلك شيئاً جديداً بالنسبة لهم.نغمة جديدة. أتى المندوب إليّ يوماً وقال: "توقّفت المعاملات". قلت له: "هذا هو الصواب وأنا أعمل حسب القانون، أما أنت فلا تستعمل القانون بل تستعمل حقوقاً ليست لك. فدعنا نتفاهم. كل المعاملات يجب أن تصدر مني وأنت لك حق الرّفض. هذا هو النظام الدولي". وهكذا شعر الناس بأن للمحافظ العربي السوري كياناً وأن له الحق بذلك. وأصبحت أمشي في الأسواق فأستقبل بالتّصفيق. وأعجب الناس بالأعلام، فلم يكن في السابق لسيارة المحافظ علم ولا لبيته علم. وكان كل شيء للفرنسيين. وقد بقيت في المنصب من سنة 1936 إلى سنة 1938. (01:28:30) (01:28:30) ج ـ سبق وأخبرتكم بأني كنت المسؤول، أي الوزير المسؤول عن المعارف. ولم يكن للوزراء السابقين أي رأي. ومن الأمور التي حدثت موضوع الكنيس اليهودي. كانت دائرة الآثار تابعة لدائرة المعارف، ولما تسلّمت وزارة المعارف ُقدّّمت لي قرارات متعلّقة باختيار الفرنسيين لبعض الآثار من رومانية وغير ذلك لشرائها ونقلها إلى بلادهم. ومن جملة هذه الآثار الكنيس اليهودي. فقال لي وزير الآثار، الأمير جعفر الجزائري أن الفرنسيين دعوا أحدهم لاختيارها. قلت: "مَن اختارها"؟ قال: "أحد المستشارين". قلت: "وكيف للمستشار أن يختارها"؟ قال: "من باب الفن. لقد وافقنا نحن على المستشار. فهم يبقون في سوريا ما هو حسن". قلت له: " أنا لست بعالم أثري إنّما لا أتنازل عن الكنيس اليهودي". قال: "إختاروها وانتهى الأمر". قلت: "إذن لا أوقّع على القرار. إذا كان القرار يُنفّذ دون توقيعي، فلا مانع". قال: "كلاّ". قلت: "إذن بلّغ ذلك". فأتى المستشار وقال: "إنّ الأصول تقضي بأن تُعهد الآثار إلى المفوّضية الفرنسية وإلى علماء متخصّصين". قلت: "عندنا كثير من الآثار الرومانية والمتحف فيه أيضاً الكثير. أما كنائس يهودية فليس عندنا إلاّ هذا. فأنا أصرّ على إبقاء الكنيس اليهودي". ثمّ خابر المستشار المفوّضية وذهب إلى مستشار المفوّض السامي المختصّ بالآثار. ثمّ عاد مستشار المفوّضية إلى عندي ليقول: "إنّ هذا لا يصحّ". قلت له: "إني مصرّ على رأيي وأنا المسؤول والكنيس اليهودي ذو قيمة كبيرة، أما آثارنا الرومانية فكثيرة". وكان الكنيس عند الصالحية على الفرات. قال: "آسف أن أخبرك بأن الإختيار قد تمّ وقد أرسل قسم من الآثار المختارة في صناديق إلى أميركا لتشاد هناك". قلت له: "كيف تفعلون ذلك قبل توقيع وزير المعارف؟ إني مصرّ على رأيي". قال: "ما العمل؟ هل لديكم إختصاصيون لبناء مثل هذه الآثار"؟ قلت له: "أنتم أتيتم إلينا لكي تدرّبونا. على كل حال نستطيع أن نأتي بإختصاصي". وبعد إصرار عنيد وصلت إلى النتيجة التي أريدها. ففكّ القسم الذي كان قد هيء لشحنه. وكان قد أرسل حوالي 100 صندوق إلى أميركا فأرجعوها ثمّ أتوا بـ إيكوشار المشهور الآن عندكم بخصوص موضوع الكنيس. ولم تنقطع المفاوضات في أثناء ذلك، وبعد أن وجدوا كل هذا الإصرار قالوا لي: "كم تريد ثمن الكنيس وكم تريد أنت؟ باستطاعتنا أن نعطيك دون قيد ولا شرط". قلت لهم: "لا شيء". قالوا: "نعطي الحكومة خمسة ملايين ليرة ذهباً. فإنّكم بحاجة إلى المال". قلت لهم: "لا، ولو كان المبلغ خمسين مليوناً". كنت كلما رأيت إصراراً منهم وحرصاً على الدّفع تزداد قيمة الكنيس عندي. فلم أقبل بأي ثمن. وهكذا أتوا بالكنيس وأعادوا تركيبه. والآن يعدّ الكنيس اليهودي من أعظم الآثار وهو يعود إلى حوالي 5000 سنة. ويبدو كأنّه قد فرغ الدهّان والمعمار منه اليوم. كلّه قاعات كان يستخدمها اليهود منذ عهد ابراهيم وإسحاق. كما أنّ الحوادث التاريخية كلّها مصوّرة أجمل تصوير. هذه هي قصّة الكنيس اليهودي. هذا عن منصب المحافظة، أما في وزارة المعارف فأستطيع القول أن النظام كان مفقوداً وخاصة بين الأساتذة، فمن خطر له أن يتغيّب عن المدرسة كان يتغيّب، إلى أن أصبح للوزارة كيانها. وقد شعر الناس بذلك أي شعور. غير أنني اضطررت أن أوظّف أشخاصاً لا يحملون شهادات على أمل أن يتدرّبوا فيتحسّنوا، فقد كنا بحاجة إلى معلّمين ولم يكن بدّ من ذلك فليس لدينا ما يكفي من المعلّمين. وكان المستشار السابق قد حصر هذه الأمور بيده، لذلك اضطررنا لعمل ما عملناه كي يتسنّى لنا التّوسّع. وعندما تمّ الإتّفاق الدولي مع فرنسا ومؤدّاه أن يضمّ لواء الإسكندرون إلى تركيا، كان كل أهالي إسكندرون يعلمون ما كان عليه المحافظ ولما كان عليه الأمر سابقاً. (01:36:06) (01:36:06) ج ـ طبعاً كان العرب ضدّ هذا الإتّفاق. كان نصف السكان من العرب والنّصف الآخر من الأتراك. وقد أتت لجنة دولية من قبل عصبة الأمم مؤلّفة من سبع دول وأجرت استفتاء، فزنا فيه نحن. وقد سعيت أنا إلى ذلك مع ما هي عليه وسائطنا من قلّة، ومع ما هي عليه الحكومة من ضعف وفقر. فقد كانت نتيجة الإستفتاء ثلاثة وخمسين بالمئة لمصلحتنا وسبعة وأربعين بالمئة لصالح الأتراك. (01:37:25) ج ـ كان عددهم حوالي 300 ألف شخص بين أتراك وعرب. كان خصومي يعتقدون أنني أنا الذي سلّم اللّواء. ولكن هل يُعقل أن يسلّم محافظ لواء بكامله؟ القصّة هي قصّة دولية. بعد ذلك أتى غيري من المحافظين فقد عيّنوا محافظاً فرنسياً واتّفقت الدول بعضها مع بعض وانتهى الأمر. لقد أتت اللّجنة الدّولية وربحنا نحن الإستفتاء ومع ذلك قضت مصلحة الدول الكبرى بعكس نتيجة الإستفتاء، فحلّت هي المشكلة بيدها، ومع كل هذا يقول الناس أنني أنا الذي سلّم اللّواء. في سنة 1938، عدت إلى حماه، وكنت متزوّجاً بسيّدة من آل العظم من الشام وذلك قبل زواجي من السيدة نظيرة. وقد افترقنا في دمشق. ثم رجعت إلى حماه سنة 1938، كما سبق القول، وبقيت فيها إلى سنة 1941. كان الشيخ فهد رئيساً للوزراء وقد عيّنني متصرّفاً في الشام فعدت إليها وبقيت في هذا المنصب عدة أشهر. منها جئت إلى رئاسة الوزارة كما بقيت في رئاسة الوزارة حوالي سنة ونصف السنة، أي إلى سنة 1943. (01:41:16) (01:41:16) ج ـ قابلت المستر كرين باسم حزب العهد، وذلك عندما أتى إلى سوريا من أجل التّحقيق ليقف على رأي الشعب باسم حزب العهد. وقد قدّمنا له مذكّرة خطيّة ذكرنا فيها أن البلاد، في حال قبولها الإنتداب، تطلب بأكثريتها أميركا، وذلك لعدم وجود غايات استعمارية لأميركا. وإن لم تقبل أميركا فبريطانيا. أما فرنسا فالبلاد ترفضها رفضاً باتاً. ذلك ما اتّفقت عليه مع الحكومة آنذاك. وقد كان على رأس الحكومة رضا باشا الركابي. وقد حضر تلك المقابلة الأمير فيصل. أما نحن حزب العهد، فقد كنا ضدّ هذا الرأي، ذلك أننا رفضنا كلّ إنتداب. فالدول الكبرى سواء في نظرنا. وما رضينا من الإستقلال بديلاً. وقد قال لي المستر كرين إنه ليس لأميركا أي استعداد لقبول الإنتداب، فهي بعيدة عن هذه الفكرة. قلنا له إننا بالأساس لا نطلب الإنتداب. غير أنه سرعان ما دفعت خلافات الحرب بين الفرنسيين والملك فيصل. وقد كان بيني وبين مستر كرين حديث طويل. (01:43:50) ج ـ قدّمت له مذكّرة خطيّة باسم الحزب ولكنه لم يعطني أي جواب. قال: "سآخذ هذه المذكرة وأقدّمها. أما أميركا فهي غير مستعدّة لذلك فالموضوع يعود في النهاية إلى ما يريده البلد". وقد دارت الأحاديث بيني وبينه وطال الأخذ والردّ. كان مستر كرين يدلي بأسبابه وكنت أدلي بدوري بالأسباب التي تدعونا إلى رفض قبول الإنتداب. ذلك أن الحرب انتهت ونحن في بداية نشأة أمّة وتكوين دولة فلا نريد ان نعرّضها إلى أي انتداب. (01:44:45) (01:44:45) ج ـ كلّفني برئاسة الوزارة رئيس الجمهورية الشيخ تاج الدين الحسني. ولم تكن الأحزاب في ذلك الوقت ظاهرة على المسرح السياسي وإنما كانت كتلاً كالكتلة الوطنية. غير أنه كان للشيوعيين دور قاموا به، كما هي الحال في جميع المراحل السياسية. وقد قبلت، نتيجة للمفاوضة بيني وبين الرئيس، أن أؤلّف الحكومة على أساس تأمين الإستقلال. لقد كنا في ذلك الوقت في حالة حرب. وكانت فرنسا قد انهزمت في ساحة القتال ضدّ الألمان وتسلّم الجنرال ديغول فئة المعارضة، أي كتلة الأحرار. وكان في سوريا الجنرال كولي. كنت قد قبلت الحكم على أساس ما صرّحه الإنكليز عندما وصلوا إلى سوريا بعد إنسحاب الأتراك بأنه لا غاية لهم في هذا البلد إلاّ تأمين الإستقلال، قاطعين بذلك عهداً لسوريا بتحقيق هذا الإستقلال. وقد رمت طائراتهم مناشير في هذا المعنى، وبطبيعة الحال وقع بعض هذه المناشير في لبنان. وهكذا أتيت إلى الحكم لتحقيق الإستقلال فعلاً وليس قولاً. فقد كنت أشعر وأنا خارج الحكم بأن الإستقلال لم يكن حقيقياً فالفرنسيون يتدخّلون بكل شيء، ولم أقبل الإشتراك بالحكم إلاّ على هذا الأساس. وقد شاركني رئيس الجمهورية الرأي بأن الوضع في سوريا لم يكن وضعاً إستقلالياً ولم يكن الوضع الذي وعد به الحلفاء، أي الأميركيون والإنكليز والفرنسيون. ووجدت العمل شاقاً، فلا شيء ينفّذ فعلياً. وكان لرئيس الجمهورية علاقة شخصيّة بالجنرال كولي. والجنرال كولي، كما سبق القول، قديم العهد في سوريا فقد كان قائداً للحرس، كما كان خبيراً بشؤون سوريا وهو متخرّج من مدرسة الإستعمار. وكان رئيس الجمهورية متأثّراً به إلى حدٍّ بعيد. وأوّل مجابهة لي بهذا الخصوص كانت في حفلة الإستقلال. فقد كان رئيس الجمهورية مغرماً بالمظاهر في حين كنت أهتمّ بالجوهر لا بالقشور. وبعد أن وزّعت الدّعوات لحفلة الإستقلال باسمي بصفة كوني رئيساً للوزارة ووزيراً للداخليّة وأرسلتها إلى جميع الهيئات السّياسية، قلت للرئيس: "لا أريد أن أحضر الحفلة". قال: "لماذا"؟ قلت: "لأنني إذا حضرتها أريد أن ألقي خطاباً وأقول إنه لا يوجد أي إستقلال وإن هذا الإستقلال الذي نحتفل به هو استقلال كاذب. وسأقول للجنرال ولمفوّض فرنسا وغيرهما إنّهم قطعوا عهداً باستقلال هذا البلد وإن البريطانيين وزّعوا المنشورات بهذا الصّدد قبل دخولهم البلاد وعاهدوا أنفسهم على أنّهم سيؤمّنون للبلاد استقلالها. ومع ذلك فأنا اليوم رئيس وزارة ووزير للدّاخلية ولكنني لست أشعر بأية سلطة، لا على الشرطة ولا على الدّرك ولا حتى على أي وجه من وجوه الحكم. فلنحصل أولاً على إستقلال حقيقي ثمّ لنحتفل به". قال الرئيس: "أن تفعل ذلك تقتلني، بل تحطّمني". قلت: "إذن، فلن أحضر الحفلة إذن، إكراماً لك". قال: "ماذا سيقال؟ أتدعو إلى الإحتفال ولا تحضره"؟ قلت: "أقلّ ما سيقولونه عنّي أنني لا أعتقد بهذه الأمور، وسيكون لذلك مغزى سياسي. على كلّ حال، دعني أفعل ما أريد فلم يمضِ على تسلّمنا الحكم إلاّ شهر تقريباً". وبالفعل غادرت دمشق إلى لبنان ـ نحن معتادون على لبنان ـ وذهبنا إلى زحلة وأكلنا هناك. وأخذ الناس يتساءلون لماذا لم يحضر الوزير الجديد حفلة الإستقلال، وبطبيعة الحال فهموا أنني أريد أن ألقي خطاباً في الإحتفال ولكنني لا أستطيع الكلام والوضع على ما هو عليه. وبقينا بهذه المشادّة من جهة مع الفرنسويّي ومن جهة مع كاترو ومن جهة مع رئيس الجمهورية. في تلك الأثناء قدم إلى سوريا المستر دانكل ساندس من أصحاب المراكز المهمّة في بريطانيا فهو صهر لتشرشل ووزير سابق في زمن الحرب. ودُعينا إلى القصر الجمهوري للإجتماع به. فسالت الرئيس قبل الإجتماع: "هل سيتطرّق الحديث إلى السياسة أثناء الزّيارة"؟ قال: "لا، بل هي زيارة مجاملة". فقلت له: "إن تطرّق الحديث إلى السياسة فلن أسكت". وبدأ الحديث الشيخ تاج الدين، وكان رجلاً ذكياً نبيهاً فلم يتكلّم بما يمكن الإعتراض عليه، غير أنني لم استطع السّكوت. قال له الشيخ تاج الدين: "ارجو أن تذكّر حماك المستر تشرشل بأنه لم يعترف بعد باستقلال سوريا ـ كانت الحجة البريطانية في عدم الإعتراف بالإستقلال أن الفرنسيين لا يزالون حاكمين ـ ثمّ قال له إن ّ للإنكليز علاقة قويّة بمصر والعراق فأرجو أن يوعز المستر تشرشل لهما بالإعتراف". هنا وجدت مجالاً للكلام، فقلت للمستر ساندس: "إنني بصفة كوني رئيساً للوزارة ووزيراً للداخلية والمسؤول عن هذا البلد وإني أرى رأي نور السّعيد والنحّاس فلا يوجد في هذا البلد إستقلال. أننا نطالب بريطانيا بتعهّداتها ونرجو منك على الأخصّ أن تطلب من المستر تشرشل أن يحافظ على شرف بريطانيا وعلى العهد الذي قطعته مع هذا البلد. إنّ هذا البلد يقدّر لكم العهد الذي قطعتموه من أجل استقلاله ويقدّر لكم العمل على إنقاذه. لذلك يجب أن تنفّذوا عهدكم. وكان المستر ساندس قد قال للشيخ تاج بان عندكم الجنرال سبيرز في سوريا ومعه حوالي 15 جنرالاً، وهو عضو في الشؤون البريطاني وهو صديقه وصديق حميه المستر تشرشل وصديق الملكة وباستطاعته أن يعمل على تنفيذ هذا العهد. إنني كما سبقت لك الرجل المسؤول عن هذا البلد وإني أرجو منك أن تحمل شكواي وشكوى هذا البلد". كنت أتكلّم معه وجهاً لوجه وبلّغته شكوانا على تشرشل فهو ممثّل بريطانيا وهو المسؤول عن العهد الذي قطعته بريطانيا مع هذا البلد وهو المسؤول عن شرفها. وواصلت الحديث معه قائلاً: "أقول لك يا مستر ساندس أن هذه البلاد عليها جنرال فرنسي، في حين أن فرنسا تحت الإحتلال النازي. إن الفرنسيين يطبّقون أساليب الإنتداب التي كانوا يتبعونها في عهدهم الأوّل معنا. فلا يفسحون المجال أمامنا لنشعر بالإستقلال وبأننا أصبحنا حكومة مستقلّة. لذلك نرجوك أن تبلّغ المستر تشرشل هذه الشكوى". وساد صمت طويل: رئيس الوزارة يتكلّم ضدّ رئيس الجمهورية ويخاطب الوزير البريطاني صهر تشرشل. وكان الوضع رهيباً. غير أن ساندس قام وقال لي: "أشكر هذه الصّراحة، وأؤكّد لك بأني سأحمل هذه الرسالة إلى عمي تشرشل وسوف يكون لها تأثير، فنحن لم نعلم بذلك". فقلت له: "أنا اليوم وزبر للداخلية، ومع هذا لا أستطيع أن أجعل الشّرطة أو الدّرك ينفّذون لي أمراً. فإن كنت ستبعث برسالة إلى المستر تشرشل فسيأخذ مستشار البريد الرسالة ولا يرسلها، فالبرقيات تحت المراقبة. إننا تحت انتداب وأكثر من إنتداب. عندما نحصل على استقلالنا الحقيقي فسيعترف نوري السّعيد والنحّاس باستقلالنا ولكن إذا سألاني الآن هل نحن مستقلّون فسأجيبهما بالنّفي، وسيقولان: "عندما يصبح استقلالكم نافذاً فنحن مستعدّان أن نعترف بكما". لذلك لا أستطيع أن أسألهما. وللحقيقة ليس من الضروري أن تكلّف تشرشل. فنحن أنفسنا يجب أن نعترف أولاً بالإستقلال. وهكذا افترقنا. وتوجّهنا إلى الفندق حيث أُعدّ للضيف مأدبة. كان من بين الحضور كولي وسبيرز وكاترو أي كانت السّلطتان الفرنسية والإنكليزية موجودتين. وبينما كنا هناك اقترب مني الجنرال سبيرز وقال لي: "لقد تهجّمت عليّ وحملت عليّ حملة شعواء". قلت له: "هكذا يتطلّب الموقف". قال: "أهنئك على هذا الإلهام الذي حدث لك". قلت له: "كيف تقول ذلك وأنت المسؤول عن كلّ ذلك"؟ قال: "أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً ذلك إنهم لا يتركون المجال لي أما أنا شخصياً فمن رأيك". (02:01:24) ج ـ الحكومة الإنكليزية نفسها. لم يكن الحلفاء قد احتلّوا المغرب بعد. عليهم أن يحتلّوا المغرب لكي يكونوا حلفاء بالحقيقة. أما نحن فلم نكن نعرف شيئاً. قال لي: "لهذا السبب لا أستطيع أن أفعل شيئاً". قلت له: "طالما الأمر كذلك دعني أقابل ساندس". قال: "لا أستطيع، فوقته ضيّق جداً يقاس بالساعات والدقائق. ورحلته مقتصرة على أركان الحرب من لندن ومن مصر". قلت له: "إلى أين سيذهب اليوم"؟ قال: "إلى بعلبك". قلت: "بالطائرة أم بالسيّارة"؟ قال: "بالسيارة". قلت: "إحجز لي معه في السيارة. فالمسافة من دمشق إلى بعلبك ساعة. ولكن يجب أن أذهب متنكّراً وليس بصفتي رئيساً للوزراء، فلن آخذ معي مرافقي ولن أذهب بسيارتي، بل أنتظره وأذهب معه، وأنتم تؤمّنون رجوعي سراً. فالفرنسيون إذا علموا بذلك سيُجنّون، كما أن رئيس الجمهورية لا شكّ لا يريد ذلك". قال: "سأحاول". قلت: "حاول موافقاً لا معاكساً". فذهب ثمّ عاد وقال: "إن ساندس موافق". وخرجت متنكّراً وانتظرته على الطريق أمام السّفارة البريطانية. وصعدت إلى جانبه في السيارة وذهبنا إلى بعلبك. وفي الطريق أخبرته بجميع التفاصيل. وقد تجاوب معي فعلاً، وقدّر موقفي وصار يعتذر وقال: "لم نعلم بكلّ هذا الوضع كما إنّه ليس لتشرشل علم بهذا التّحكم الفرنسي الّذي لا نقرّه لما قطعناه من عهد. أؤكّد لك إنني سأكتب إليك بعد أن أُبلغ عمّي ذلك". وقد كتب إليّ فيما بعد وأخبرني إنه أوصل الرّسالة وبلّغ الأمانة وسيكون لذلك تأثير إيجابي فعّال ـ (02:04:47) ورجعنا من بعلبك وبعد ذلك احتدم الخلاف مع رئيس الجمهورية والفرنسيين. (02:05:10) ج ـ كانت حريّتي بالكلام محدودة جداً. فقد أرادوا في تلك الأثناء أن يعطوا الحريّة للصّحافة. وألّفوا نقابة لها. وهيأوا حفلة لها في سينما روكسي. وكانت حفلة حافلة ذلك أن رئيس الوزراء سيخطب فيها وكان ذلك أوّل خطاب لي. وقد حضّروا لي الخطاب على شكل رؤوس أقلام وهو يتعلّق بنقابة الصّحافة فقط. وكان في الحفلة الدكتور منير العجلاني، خطيب بنت رئيس الجمهورية، وكان وزير الشؤون الإجتماعية. وقد ألقى كلمته قبل كلمتي فتكلّم فتكلّم عن نقابة الصحافة وكان خطابه دعاية لعمّه الرئيس فقال: "إن الوزير ساندس أتى إلى سوريا وتكلم مع عمي من أجل الإعتراف بالإستقلال وإن الأمل كبير بالنسبة لنا". ثمّ صعدت المنبر وقلت لهم: "كان قد هُيء لي خطاب ولكنني سأضع الورقة في جيبي وأتكلّم شفاهة. وقد اضطرّني إلى ذلك زميلي الدكتور منير العجلاني وكان خطابه دعاية لعمه الرئيس. غير أن المسألة كلّها تأليف بتأليف، لذلك سأضطر وأخبركم كيف كان الحديث. إن ما قاله منير العجلاني عن الحديث وعن طلب رئيس الجمهورية منه أن تعترف بغداد ومصر بالإستقلال هو صحيح ولكنني كنت على خلاف معه في الرأي وقلت كذا وكذا للوزير بحضور رئيس الجمهورية وهكذا كان جوابه بكلّ صراحة، وقد أكملنا الحديث في طريقنا إلى بعلبك وأبديت له اعتراضي. وقلت أما نوري السعيد والنحّاس فأنا أؤمّن اعترافهما. والآن أقول لكم ما قلته للبريطاني وللفرنسيين أننا لسنا مستقلّين، لم نصل بعد إلى الإستقلال. لقد قطعوا عهداً لهذه الأمة بأن يعطوها الإستقلال غير أننا نريد استقلالاً فعلياً. أنا اليوم رئيس للوزراء ووزير للداخلية ولكنني لا أملك أدنى نفوذ على هذه الدوائر. إنّ فرنسا وراء هذا كله وهي التي تصنع قصص الإنتداب هذه. فليكن هذا الأمر معلوماً لديكم. أما بمناسبة تأليف نقابة الصحافة فأقول لكم ادعوا الزّعماء ورجال السّياسة للإتّفاق والتّضامن لتأمين هذا الإستقلال الذي مُنحناه ولم يُنفّذ بعد. أدعو لتأليف نقابة باسم نقابة الإستقلال والكرامة أيضاً". وقد كان في الحفلة حوالي 20 ألف شخص.وكان لهذا الخطاب تأثير عظيم على الناس. وبالإضافة إلى ذلك فقد اطّلع الناس على الوضع. (02:09:58) ج ـ كلاّ. ولكن سمعه الناس وأخذوا يتداولونه. فالصحافة لا تستطيع نشره أو الكتابة عنه. على هذا الأساس توسّع الخلاف بيني وبين الفرنسيين. تشكّلت الميري وكنت رئيس مجلسها. وكانت أربع دول تمثّلها فقط: نحن ولبنان وبريطانيا وفرنسا. كان ممثّل لبنان الأستاذ فؤاد سعادة كان موظفاً في إحدى مديريات المالية كما كان يشتغل في الزراعة بالإضافة إلى كونه مهندساً زراعياً إنه رجل محترم مثقّف عالي النفس. وكان موقفه بموضوع الميرى كموقفي. كنت في ذلك الوقت متطرّفاً من أجل لبنان، في حين كان الفرنسون يعارضون فاندفعت لتأمين الحقوق اللاّزمة للبنان. وعندما مدّدت رئاستي لمجلس الميري كان أحمد الداعوق رئيساً للوزارة في لبنان ثمّ أتى بعده سامي الصّلح. وكنا على اتّصال بعضنا ببعض. سعيت لتأمين الإعاشة للبنان وكنت أقول في خطبي الرسمية وغير الرسمية أن لبنان قبل سوريا. وذلك أن الحالة فيه كانت صعبة، وخاصة بعد الحرب. فالرغيف علينا أن نقتسمه مع لبنان. وأنا أعتبر نفسي لبنانياً كما أعتبر نفسي سورياً. فليس هنالك لبناني وسوري. نحن شعب واحد في حكومتان. لذلك لا يجوز بأي وجه من الوجوه أن تحدث مجاعة في لبنان ونحن عندنا الحبوب. وقد حدثت بعض الخلافات حول هذا الموضوع. غير أنني أعتبر نفسي أنني قمت بواجبي تجاه لبنان. وقد قدّر الناس في عهد الشيخ بشارة الخوري هذا الموقف. وأوّل مَن قدّر ذلك ألفرد نقّاش وسامي الصلح. كانا عارفين بخدماتي للبنان. مع الأسف لم أعد أشعر لهذا التّقدير ولا بالواجبات التي على حكومات لبنان. هذا التّقصير ليس مقبولاً. (02:14:18) (02:14:18) ج ـ كان الوزراء كلّهم بجانبي ما عدا منير العجلاني، طبعاً لأجل عمّه الرئيس. وكان الشعب كلّه معي. لأن خلافنا مع الرئيس ومع الفرنسيين لم يكن شخصياً. هذا وكنت في حزب العهد وكان الحزب قوياً مليئاً بالضباط. ثمّ إنني كنت في الكتلة الوطنية بل من مؤسّسيها. وبالإضافة إلى ذلك كان طلبي وطنياً معقولاً ولم يكن لينطوي على أي اعتداء. فقد قطع الحلفاء عهدهم بأن هذه البلاد أصبحت مستقلّة. فهل يعود الإنتداب إلى أوّل عهده وقد انهزمت فرنسا في الحرب؟ هذا لا يحتمله أي إنسان. كان رئيس الجمهورية، كما قلت سابقاً، لا يهتمّ بالجوهر، وكان لا يهمّه إلاّ المظهر في حين أنني كنت لا أهتمّ إلاّ بالأصل أما المظاهر فلا تهمّني. وهكذا توسّع الخلاف ثمّ حدثت قضيّة الميرى. كان الفرنسيون يريدون وضع أيديهم على الميري بداعي أنني أمتلك قرى ومزارع كما أن أكثر الوزراء هم أصحاب أملاك وأراضي. وفجّر الفرنسيون لغمهم، فقالوا إن الحبوب ستباع بالسوق السوداء ولن تصل إلى الجيش الفرنسي ولا إلى الجيش الإنكليزي ولا إلى الجيش اللّبناني. لذلك يجب أن تأخذ الحبوب من الحكومة ولن نسمح لحسني البرازي وبقيّة الوزراء الإقطاعيين أن يستفيدوا. وأتى الجنرال سبيرز بناءاً على هذه الفكرة واجتمعت معه في السفارة. فقال لي: "أرجو إذا كان بالإمكان أن تترك الميرى لأنهم يريدون تسلّم الحبوب". عند ذلك اتّخذت تجاهه موقفاً قاسياً فقلت له: "لقد جئتم تساعدونا وأنا أذكّرك بالكلام الذي قلته للمستر ساندس وهو أنّكم أعطيتمونا كلام الشرف على أن تحافظوا على استقلالنا. والآن إنك بمساعدتك الفرنسيين تخالف العهد الذي قطعته حكومتك. هؤلاء (الفرنسيون) يريدون أن يخربوا البلاد وينهبوها ويأخذوا الحبوب بطريقة غير معقولة. ومعنى ذلك أنك تعترف لهم بعدم كفاءتنا للإستقلال وعجزنا عن إدارة هذه العملية ومعنى ذلك أنك تؤيّد اللّصوص". كان كلامي معه قاسياً حتى إنه قال لي: "حضرة الوزير، إنك نسيت أنني أمثّل الملك وأمثّل بريطانيا، إنك تمسّ كرامتي". قلت له: "ليست القضية قضية مسّ كرامة، إنما أردت تنبيهك أنهم سيوقعونك ويدنّسون شرف بريطانيا التي تمثّلها". قال لي: "ماذا تريدون أن أفعل"؟ قلت: "سآخذ الأمر على مسؤوليتي في خلال عشرة أيام أو أسبوعين على أعظم تقدير أنا أدير هذه العملية فكم تريدون من الحبوب"؟ قال: "المطلوب 250 ألف طن". قلت: "أستطيع تأمين ذلك ولكن مرهم بعدم التدخّل، وضع المسؤولية علي". قال: "ربما لا تستطيع تحقيق وعدك". قلت له: "عند ذلك أتقبّل كل لوم وكل مسؤولية. إنني سأثبت لك كلامي وأثبت لك أن الطريقة التي يريدون أن يتداولوا بها معك لا تتناسب مع كرامتك وكرامة بريطانيا". قال: "اتّفقنا". وفي اليوم التالي ذهبت في دورة تفتيشية. بدأنا من حوران، من درعا. كان الموسم خصباً ومن درعا ذهبنا إلى دمشق وحمص وحماه وحلب ودير الزور والقامشلي إلى آخر حدود سوريا. المئتان والخمسون ألف طن أصبحت ثلاثمئة ألف طن. ورجعت إلى دمشق. وكانوا ولا شكّ يتلقون الأخبار بالتليفون ونشرات الأخبار اليومية. أذكر أن رجوعي كان في يوم أحد فأتى مخصوص من بيروت إلى دمشق إلى عندي المستر ساندس وقال لي: "كما أتيت إليك سابقاً باسم الملك طالباً منك أن تترك الميري، جئت إليك الآن لأشكرك باسم صاحب الجلالة شكراً جزيلاً لأنك أثبتّ رجولتك وأثبتّ كفاءتك وأهليتك بالإستقلال وأرحتني من مشكلة أرادوا أن يوقعوني فيها بصدد هذا الموضوع. لذلك أتيت إلى حضرتك في يوم راحتي لأشكر لك جهودك باسم صاحب الجلالة"... كانوا يريدون أن ينهبوا...وحصلت هذه الحادثة من 25 سنة.... بعد ذلك أتى المندوبان الإنكليزي والفرنسي وعقدنا اجتماعاً في السرايا بخصوص الميرى. كنت قد أخبرتك بأن فؤاد سعادة كان مندوب لبنان وكان مطّلعاً على الأوضاع كلّها. وجمعنا محافظي الدولة كلّهم العشرة، وقائد الدرك والأمن العام والشّرطة. وأخذ كولي يتكلّم مع المحافظين قائلاً لهم إنّهم منقسمون بخصوص الميري ولذلك فسوف تذهب الحبوب هدراً. عند ذلك تدخّلت وقلت له: "إن المحافظين تابعين لوزير الداخلية. وأنا وزير الداخلية ورئيس الوزارة المسؤول، لذلك لا أسمح لك بأن توجّه أية كلمة للمحافظين. إنّهم يقومون بعملهم خير قيام وإني أقدّم شكري لهم وأنا سعيد بنتائجها وبأواخرها". وأذكر أن الجنرال كولي قال عند ذلك: "لنا الحقّ بالمشاركة".قلت له: "كلاّ، إننا مستقلّون واستقلالنا قطعي. وإذا لم يعجبك ذلك فافعل ما شئت". عندئذٍ غادر المكان وتبعه المندوبون الفرنسيون. ثمّ قام المندوب الإنكليزي وقال لي: "مبروك، ربحنم المعركة...يجب أن نرى سبيرز". وأتى سبيرز وانتهت القضيّة، وأمنّا الزراعة والصناعة وأصبحت الحركة قويّة في البلد. وقد ذكرنا عتبنا على اللبنانيين الذين لم يقدّروا مساعدتنا لهم. الشعب اللّبناني ورجال لبنان كلّهم ما عدا القسم المخالف إلنا بالسياسة عاملونا بشكل جيد. المسيحيون هنا في لبنان شفنا منهم كلّ شرفية مثلاً شمعون والجميّل وإدّه، كل هل جماعات هوذي السياسيين المسيحيين، لكن مع الأسف نحن ضدّ عبد الناصر والإسلام هم بطبيعتهم كلّ أصدقائنا بيلحقوهم أنكرونا وأنكروا صداقتنا وعلاقتنا معهم وشفنا جفاء منهم لكن عتبي أنا على الحكومات والحكومة اللّبنانية كانت مقصّرة في حقي. لما انتهت هذه القضية، كان الشيخ تاج مريضاً، فأخبروه بالتليفون عما حدث فاشتدّ مرضه وتحامل عليّ كما تحامل الفرنسيون. وأتى الفرنسيون وحاصروا البيت وقطعوا خط التليفون وأخذوا سيارة رئاسة الوزراء وأصدروا مرسوماً بإقالتي. فغادرت أنا وزوجتي إلى لبنان كان ذلك يوم أحد. فذهبنا إلى السان جورج ثم إلى حفلة سباق الخيل. وظنّ الناس إنه قد قتل حسني البرازي. وإذا بالشيخ تاج يموت. وكان يقول إنني أنا كنت السبب في مرضه الشديد. أما الحقيقة إنه أُعطي "سلفاتيازول" مع الحميرة فلم يناسبه وتسمّم ومات. وحمّلوني مسؤولية وفاته. وعدنا بنفس اليوم إلى الشام حيث زارني هشام الأتاسي وابراهيم هنانو وسعد الله الجابري ليخبروني بوفاته ـ كان الشيخ تاج ضدّهم وعلى الأخصّ ضدّ هاشم الأتاسي فقد كان ضدّه بشكل عنيف ـ وكانوا قد انتقدوني على اشتراكي معه مع أني كنت من مؤسّسي الكتلة الوطنية. غير انني اشتركت معه لكي أنقذ البلاد فانا رجل واقعي وإيجابي وأمين من وجداني وضميري بأن المنصب لا يغريني. فأنا أجرّب فقط فإذا نجحت التّجربة أكمل الطريق وإلاّ فأترك الوظيفة كما فعلت عندما كنت وزيراً للداخلية. عندما استقلنا بعد المفاوضات هدّدونا بالإعتقال ولكننا لم نرجع عن الإستقالة واعتقلونا. كذلك يوم الجمعية التأسيسية، فقد أردت أن نقبل المواد الستّ التي وضعها الفرنسيون في الدستور السوري. وعندما أردت أن أخطب، وعارضوني، كما سبق القول، رضخت لأوامرهم دون اقتناع. كلّ موقف إيجابي يأتي، أريد أن أستثمره، ليس لهدف شخصي بل لصالح البلد. عندما لم يقبلوا مني في الجمعية التأسيسية سنة 1926، حلّها الفرنسيون وأضاعت البلاد فرصة عظيمة وأخذ الزعماء السوريون يرددون: "يا ليتنا سمعنا من حسني البرازي". وقد تأخّرت البلاد من جراء موقفهم عشرين سنة ذهبت سدى في النزاعات والدماء وفي تأخر الزراعة والإقتصاد ـ زارني هاشم الأتاسي وابراهيم هنانو وسعد الله الجابري ليهنّؤوني بعد وفاة تاج الدين. فقال لي هاشم الأتاسي: "قلنا لك اضربه لأنه كان يقول لا أحد يقدر عليّ إلاّ حسني البرازي، قلنا لك اضربه ولم نقل اقتله". وهكذا خرجنا من الحكم على هذا الشكل. ورفاقنا رفاق الكتلة الوطنية أظهروا قلّة وفاء نحوي ونحو الحقيقة. والظاهر أننا كنا أثناء الدّراسة قافلة واحدة وكنت أرجحهم كفّة. وكنت كذلك في الأعمال التي قمت بها، في الوظائف والوزارة، فقد كنت أثبت كرامتي وقوّتي وكانوا يخافون من قوّة شخصيّتي ورجحاني وأعتقد أن ذلك هو سبب عدم إخلاصهم لي. (02:34:13) وبقينا بعيدين عن الحكم إلى سنة 1945. في تلك السنة دعاني الملك عبد الله إلى عمان، الأردن. فأمضيت بعض الوقت عنده وبعضه الآخر في القدس حيث نزلت في أوتيل كينغ دايفد بضيافة الملك عبدالله. في تلك الأثناء قدم وفد دولي من الدول الغربية وكانت أكثرية الوفد من الأميركيين والإنكليز، ونزل الوفد في الفندق ذاته الذي نزلت فيه. وكان أفراد الوفد قد سمعوا بأن في الفندق رئيساً سابقاً للوزراء. وكان القصد من زيارتهم هو البحث في قضية فلسطين واليهود. في تلك الأثناء لم تكن قد تأسّست الدولة اليهودية بعد بل كانت هنالك مفاوضات وأبحاث واتّصل أعضاء الوفد بي طالبين مني إبداء رأيي بالموضوع. وكان رأيي غير سلبي. كنت أقول بعدم اللّجوء لخطط العنف والحرب وإنه يحسن قبول اتفاق التّفاهم مع اليهود ذلك إنّهم كانوا في ذلك الوقت أقليّة تتألّف من حوالي 50 إلى 60 ألف يهودي وكانوا يطالبون أن يؤلّفوا أقليّة في المجلس النيابي وأن يكون الحكم عربياً، فنصحت بالقبول وأن يعترف بحقوقهم على أنّهم طائفة أقليّة. هذا ما يطالب به الفدائيون اليوم. وقد أخبرتهم رأيي بصراحة وهو أننا إذا لجأنا إلى خطّة العنف فلن نصل إلى نتيجة، لأن العرب بوضعهم الحاضر متأخّرون علمياً وسياسياً وعسكرياً، فإذا سلكوا طريق الحرب فسينهزمون وستتغلّب عليهم إسرائيل. لذلك أرى أن يكونوا إيجابيين. فالإتّفاق مع اليهود وإعطاؤهم هذا الشكل المحدود من الحقوق أفضل من وصول اليهود إلى الكيان الدولي. وقد وصلت هذه التصاريح إلى بعض الإذاعات الإنكليزية والأميركية وانتشرت برقياً. وعندما وصلت إلى سوريا، عاتبني الإخوان والأصدقاء مثل شكري القوتلي وبعض رجال الحكم وقالوا لي: "كيف تتكلم مثل هذا الكلام"؟ فأجبتهم: "أنا اليوم لست بالرجل المسؤول وقد تكلّمت على مسؤوليتي وستثبت لكم الأيام صحّة كلامي وستثبت أيضاً سوء سلوككم في هذه النظرية التي اتّخذتموها لأجل إرضاء عامة الشعب إرضاء الغوغاء. أنتم لستم بزعماء. الزعيم هو الذي يسيّر الشارع ولا يسيّره الشارع والغوغاء. وهكذا حدث، ففي سنة 1948 وقعت الحرب وأعطت النتيجة المتوقّعة من وراء كوارثها. وكذلك كان لي الرأي ذاته في سنة 1956 وفي سنة 1967. لا يجوز الإنتقام بالحرب وها أنا الآن هنا في بيروت ورأيي لا يزال هو ذاته، وهو عدم اللّجوء للحرب. كما وإني أنصح للرّفقاء الّذين يزوروني بأن ينصحوا بدورهم للحكام عدم سلوك طريق الحرب. أثناء الحرب الأخيرة في سنة 1967 أخذ الناس يدّخرون المؤن خوفاً من تزايد الإضطرابات. فقال لي أحد الرّفاق:"لماذا لم تتموّن؟" فأجبت: "أنا لم أدّخر مؤونة ولا أريد ذلك لأن الحرب لن تدوم أكثر من أسبوع". وهكذا كان إن ما حدث في البلاد هو مع الأسف نتيجة السّياسة السّلبية غير المعقولة. (02:40:08) سنة 1949 بعد الحرب أتى حسني الزعيم... عندما كنت محافظ في اسكندرون كان حسني الزّعيم ضابطاً في الجيش وكان يتردّد عليّ كثيراً حتى تمتّنت الصّداقة بيننا وكنا نركب الخيل سوياً. كان ضابطاً نشيطاً ولكنه كان متهوّراً وطموحاً. في سنة 1936 قال لي: "أريد أن أقوم بانقلاب". قلت له: "أنت مجنون". أما هو فقد كان مصمّماً كلّ التّصميم على الإنقلاب على شكري القوّتلي وجماعته. وكان يطلب مني أن أتسلّم أنا الحكم. أما أنا فكنت دائماً أقول له إنني لا أريد حكماً يأتي عن طريقته هذه. وافترقنا. كان الحناوي أيضاً إلّي عمل الإنقلاب الثاني. الحناوي كان هنالك بإسكندرون كان كابتن وكان يجيبه لعندي للبيت. كان الحناوي ضخم الجسم وبسيط كثير وكان رجل غير مثقّف بينما كان حسني الزعيم أذكى وأقوى يرقّصه رقصة الدّبّ للحنّاوي.أنظري الى أي حدّ وصلنا. كان يقول له: إرفع إيدك، إرفع رجلك وكان يمتثل. وذهب هو إلى دير الزور ثم أتى إلى دمشق. كان كلما جئت إلى دمشق يزورني ويقول لي: "أريد أن أقوم بانقلاب". وكانت كلمتي له دائماً هي هي. عندما عُيّن رئيساً للأركان أتى إليّ وقال: "لقد أصبحت رئيساً للأركان، باستطاعتي الآن أن أقوم بالإنقلاب فالجيش معي". وكان لي نفس الرأي بذلك. ووقعت ذات مرّة بعض الحوادث في دمشق، فأعلنت الإدارة العرفية أي تسلّم الجيش الأمن. فأتى حسني الزعيم إليّ وقال: "لقد تسلّم الجيش الأمن، أي أصبحت الشرطة والدرك تابعين لي، وأصبح الإنقلاب وشيكاً، فماذا تقول"؟ قلت له:" أقول إنّك مجنون". في ذات ليلة، أثناء وجودي في حماه، حلمت حلماً مزعجاً. كان شكري القوتلي داخل غرفة مظلمة وقد وقع طربوشه عن رأسه، وكان معه فارس الخوري. ورأيت عنكبوتاً وكان شكري القوتلي يقول: "أنقذني يا حسني". فقلت له: "أخرج من الغرفة ينته الأمر. ونهضت من النوم منزعجاً من الحلم. وأدرت جهاز الراديو وإذا بي أسمع بالإنقلاب. وفي اليوم التالي أتى إليّ بعض العسكريين وقالوا لي: "إنك مطلوب بأمر من الزعيم". فذهبت معهم وقابلت حسني الزعيم. فقال لي: "ماذا تقول الآن؟ لقد تسلّمت الحكم". قلت له: "مجنون". قال: "بعد أن حدث كلّ ذلك أما تزال تقول لي ذلك؟ على كل حال قمت بما قمت به وانتهى الأمر. أريد منك أن تتسلّم الحكم لأن اعتمادي عليك أما أنا فأبقى في الجيش ولا أتدخل بشيء. أما الآن فأريد منك أن تذهب إلى المنطقة الشمالية، أي إلى حلب واللاّذقية ودير الزور لمدة شهر ثمّ ترجع وتتسلّم الحكم. الحكم العسكري والمدني بيدك ولن أتدخّل بشيء". قلت له: "ولكنني لا أستطيع أن أتعامل مع مجانين". قال: "ماذا تريدني أن أفعل؟ إن كلّ اعتمادي عليك". ثمّ قام وقبّل يدي راجياً منّي أن أقبل. عندئذٍ رضخت للأمر. قال لي: "هذه طائرة عسكرية بخدمتك". ثم سافرت إلى حلب حيث كان استقبالي حافلاً، فأهالي حلب جميعهم يعرفونني.وأهالي حلب عائلات راقية بمسيحيّيها ومسلميها وحياتهم الإجتماعية راقية وفرحوا واستأنسوا بوصولي. وقد شعرت بالخير والأمل عند وصولي، رغماً عن الإنقلاب وما حدث من اضطرابات. وابتدأت العمل. وقد شعرت الناس بوجود إدارة جديدة مع قصر الوقت. أحسوا بالحزم والنزاهة والعدالة والنّظام، حكم قوي لكن رحوم. وكان لزوجتي ولا شكّ الفضل الأكبر في ذلك فقد سهّلت الموضوع بواسطة زيارتها لبعض العائلات فكانت خير معين لي، ليس في حلب فقط بل في جميع أعمالي فقد ساعدتني على السرّاء والضرّاء. لذلك أقدّر لها أعمالها وأحترمها لمعاملتها الحسنة لي. فمع أنه مضى علينا حوالي 12 سنة مشرّدين فهي لم تغيّر معاملتها لي. بعد مضي وقت على الإنقلاب بدأ الخصوم بدسّون عليّ عند حسني الزعيم وأخذوا يُدخلون في رأسه بأني قوي الشّخصيّة ولا بدّ أن أتغلّب عليه. وهكذا أخذوا يدسّون عليّ بشتّى الأساليب وأرسل لي يخبرني بذلك علمت أنها مجرّد دسائس. ثمّ أخذ يحاول التدخّل معي، مع أنّ الإتّفاق بيني وبينه كان ألاّ يتدخّل بشيء فقلت له: "لا أريدك أن تتدخّل بشيء ولا أسمح لأحد أن يتدخّل، وعند عودتي إلى دمشق إذا وجدتك قد غيّرت رأيك تجاهي فسأترك". وهكذا كان عندما رجعت إلى دمشق قال لي: "أيّة وظيفة تريدها"؟ قلت له: "لا شيء، أنا قلت لك إنك رجل مجنون والتّعامل معك صعب، فدعنا نبقى أصدقاء". واتّفقنا على ذلك، وذهبت إلى بيروت بصحبة زوجتي ونزلنا في فندق سان جورج. بعد وصولنا بحوالي نصف ساعة اتّصل بي الشيشكلي هاتفياً، وهو ابن عمّتي، وكان وقتئذٍ مديراً للأمن فقال لي: "أأنت في بيروت وحسني الزعيم يريدك أن تذهب إلى حماه"؟ قلت له: "لم يجرِ مثل هذا الكلام بيننا". فقال لي: "إذا لم ترجع فسيمنعك من الدخول إلى سوريا". فقلت له: "اعتبرني منذ الآن ممتنعاً عن الرجوع. انا أمنع نفسي". ثمّ صعدنا إلى بيت مري لقضاء الصيف. وإذا به يرسل رسولاً يطلب المصالحة. وأصرّ عليّ الرفاق أن أذهب فنزلت عند إصرارهم وذهبت إليه. قال لي: "لماذا أنت غضبان؟ سألتك أية وظيفة تريد، سواء أكانت إحدى السفارات أم الوزارات". قلت له: "أنا لست غضبان، لم أقبل وظيفة لكي نبقى أصدقاء فالعمل صعب معك ولا يزال رأيي بك كما كان. من الأفضل أن نبقى أصدقاء فلا نتعامل بعضنا مع بعض. وهكذا تمّ الإتفاق بيننا وتصافحنا. لقد أدّيت لحسني الزعيم خدمات كثيرة عندما كنت في رئاسة الوزارة سنة 1936 ـ 1937 عندما كنت باسكندرون. فقد قطعوا عنه الراتب مرة فأرجعت له راتب التّقاعد. وكنت كلما وقع في ضيق أخدمه. وكان يقول لي قدّرني الله على مكافأتك وأخيراً شكّ بي. عندما كنا متصالحين وهي فترة لم أتعامل معه فيها، كان يرسل لي دائماً الرّسل طالباً أن أواجهه وأن أتسلّم سفارة من السفارات كسفير فوق العادة. وقامت في تلك الفترة مفاوضات بين الأميركيين والإنكليز فكان يرسل لي الرّسل طالباً مني الذّهاب من قبله على رأس وفد للتفاوض. غير أنني كنت أقول له إنني لا أريد أن أعمل. وأصرّ عليّ بعض الأصدقاء أن أذهب لأواجهه وقالوا إنني لن أخسر شيئاً. إلاّ زوجتي فقد كان حدسها ألاّ أذهب. قلت لها: "ولمَ لا، ما دمنا متصالحين، لن أتأخر وسأعود الى الغداء في حمانا" ولكنها لم تطمئن ولم تنم. وذهبت لمقابلته، وأخبروه بقدومي. ولاحظت أنّ الجوّ غير طبيعي. وانتظرت حوالي نصف ساعة، ثمّ سمحوا لي بالدخول وكان مدير الأمن العامّ ابراهيم الحسيني واقفاً عند المدخل فقال لي: "تفضّل". قلت: "إلى أين"؟ قال: "إلى السجن، إلى المزّة. إنّها الأوامر". قلت له: "ولكن سبب مجيئي إلى هنا هو لمقابلة الرئيس". قال: "الرجاء ألاّ تمانع واعذرني على ذلك فهذه هي الأوامر". وطلبت أن أقابل الرئيس ولو لخمس دقائق. ولكن لم يُسمح لي. فذهبت إلى المزّة وهناك أدخلت زنزانة لا شبّاك لها ولا نور يدخلها وليس فيها إلاّ حصيرة ووسادة من قشّ. وبقيت هناك ثلاثة أيام وفي صباح اليوم الثالث سمعت بأن حسني الزعيم قد قُتل هو ومحسن البرازي ابن عمي وكان آنذاك رئيساً للوزارة. كان ابن عمي مع الأسف من الأشخاص الذين احتضنتهم. وقد أدخلته الجامعة وأصبح أستاذاً في المعارف وهو يحمل شهادة الدكتوراه في الحقوق. ولما كنت وزيراً للمعارف في سنة 1935 كان يعتبر نفسه هو الوزير لأنه ابن عمي وصديقي. وكان أخو زوجتي في السجن كذلك لأنه أراد أن يدقّق في قضيّتي وعندما قُتل حسني الزّعيم كنت في زنزانة وأخو زوجتي في زنزانة أخرى. وقد ذهبت وفود من لبنان ومن بينهم سامي الصلح ليتداولوا بالأمر. وكانت النتيجة أن حسني الزعيم طلب إعدامي وقد اتُّهمت بأني أدبّر انقلاباً. فالطائرات ستأتي من العراق أما أنا فسأذهب إلى دمشق ثم تأتي قوّة من الجيش العراقي وتقوم بالإنقلاب عليه. وعلى هذا الأساس كان يُقال إنه ما دام حسني البرازي حياً فستبقى الحالة صعبة مستحيل ترتاح. إجا بدّه يكافئني هل مكافأة، ألله انتقم منه ومع الأسف ابن عمّنا راح بهل شكل المؤلم رحمهما الله. (03:00:17) (03:00:17) ج ـ أنا كنت بالزنزانة بسجن المزّة وكانت تضيق عليّ وهو فكّر أن يجعلني عبرة للناس إنه يقضي على حياتي. (03:01:40) ج ـ كان خفيف الأعصاب أعصابه ضعيفة، وكان كما قلت سابقاً مصروعاً. والدّليل على ذلك تصرّفاته معي لما كنت في اسكندرون. أما الذين كانوا يؤثّرون عليه فهم أولئك الذين كانوا يحيطون به مثل صبري العسلي وهو من رفاقنا الأوّلين من أجل الحرص على الكرسي ومحسن البرازي ابن عمي. في نزيه الخنسى هذا كان عديله فقد كان معه دائماً لأنه كان رئيس وزرائه ثم مخائيليان من حلب. (03:02:21) ج ـ كنت في الزنزانة في سجن المزة وكانت الحالة من الصّعوبة إلى حدّ أنني لم أستطع النوم. سهران على حصير وعلى مخدّة قش بشكل متعب. وعند الفجر وبينما كنت أطالع القرآن سمعت صوت الرّصاص بجانب السجن متريليوز، كان الوضع أيام حسني الزعيم مضطرباً وكان من المنتظر وقوع إنقلاب عليه هذا ما كنا نسمعه من الناس، خصوصاً عندما كنت في لبنان كنا نسمع إنه في وضع مضطرب. (03:03:32) ج ـ الضباط أنفسهم، وكان من بينهم الحنّاوي، فهو الذي جمع الضباط للقيام بانقلاب على حسني الزعيم. وعندما سمعت الرّصاص توقّعت أن الإنقلاب قد حدث ولكنني لم أعرف شيئاً من التّفاصيل. ثمّ أتى أحد السّجناء وهو صحفي كان مُعتقل يدعى أمين السّعيد، وأخبرني شعراً بالإنقلاب ذلك لأن التكلّم كان محضوراً على السجناء خصوصاً لوجودي في الزنزانة. وبعد مضي ساعتين أتى الضباط الذين قاموا بالإنقلاب إلى السجن. وكان من بينهم العقيد محمد معروف الذي أبلغني بإطلاق سراحي، وكان من بنهم أيضاً الحناوي الذي تكلمنا عنه سابقاً ... وخرجت من السجن. في ذلك الوقت كانت الإنتخابات قد قربت. كان الحناوي هادىء الطبع مع أنه لم يفهم الكثير من الأمور السياسية. غير أنه لم يكن هو الذي قام مباشرة بالإنقلاب بل ضباط آخرون منهم محمد معروف، الذي كان متقرّباً من جماعة حزب الشّعب. وكان حزب الشعب معارضاً للحكم أيام شكري القوتلي. فمع أنّ الحالة في عهد شكري القوتلي كانت حسنة من حيث الزراعة والإقتصاد والتجارة فقد كانت سيّئة من حيث السياسة وكان العهد عهد اضطرابات، لا سلم فيه ولا تنظيم. فالإدارة كلّها كانت فوضى غير منظّمة. وكان حزب الشعب معارضاً. وقد تقرّب الحناوي كونه حلبي من أفراد حزب الشعب واتّفق معهم وربّما كانوا على علاقة مع الضباط الذين قاموا بالإنقلاب. وقد تمّ الإتّفاق فيما بينهم وعيّنوا حكومة برئاسة رشدي الكيخا الذي تسلّم أيضاً وزارة الداخلية. وما أن تألّفت الحكومة حتى قرّروا إجراء إنتخابات نيابية واتّفقوا مع الحناوي على أن يعتني بالمجلس ويترك الجيش السياسة. ولكن كله كلام فما إن يذوق الجيش الحكم في السياسة حتى يتمسك بها ولا يتركها. وفي الإنتخابات عرف الضباط علاقتي بحسني الزعيم وما كان الإتّفاق معه عندما تسلّمت الحكم، كما عرفوا شدّة فراسي واعتقادي بوجوب إبعاد الجيش عن السياسة. (03:09:00) وكان أكرم الحوراني من بين الذين اتّفق معهم على إجراء الإنقلاب. وقد اشترك بالإنقلاب على حسني الزعيم مع أنه كان على اتّفاق مع شكري القوتلي. وقد كان هذا الأخير يوليه العناية خوفاً منه ومن دسائسه ولكن ذلك لم يجده نفعاً فقد تآمر على القوتلي وأصبح المستشار السياسي لحسني الزعيم. غير أنه لم يعلم ما كان بيني وبين حسني الزعيم من رابطة. فعندما استدعاني حسني الزعيم ملحاً عليّ بمقابلته طلب من أكرم الحوراني ألاّ يتدخّل معي. ذلك أنه كان هنالك خصومة بيني وبين أكرم الحوراني. غير أنه بقي يحرّض، مع أنه ابتعد نوعاً ما عن حسني الزعيم. هذا ولما وقع الإنقلاب على حسني الزعيم، كان أكرم الحوراني على اتّصال ووفاق مع الإنقلابيين. وكان له في جميع الإنقلابات التي وقعت اليد الطولى. فهو رجل إنقلابي مضرّ مؤذي يستند دائماً إلى الجيش والقوة العسكرية، وصولي يعمل كلّ ما بوسعه لأجل الوصول إلى الحكم. دون أن يهتمّ بمصلحة البلد. (03:12:04) ج ـ كلاّ إنما كان منتمياً إلى الحزب الإشتراكي. إنّه بالأساس فوضوي... شيوعي... ذلك لأنه يحب الفوضى والخراب والدمار. وأخيراً اتّفق مع جماعة البعث جماعة صلاح البيطار وميشال عفلق وسمّى الحزب حزب البعث العربي الإشتراكي. وفزت بالإنتخابات وأتيت إلى المجلس ولكن قبل أن جرت الإنقلابات حاولوا محاربتي بتحريض من أكرم الحوراني والضباط الإنقلابيين. فقد أرسلوا أحد الضباط واسمه سليمان ناجي إلى حماه ثمّ ألحقوه بأديب الشيشكلي الذي كان مديراً للأمن العام، وأديب الشيشكلي هو ابن عمّتي ولكنه زميل لأكرم الحوراني ورفيق له. منذ الصغر يتّفق معه بشعوره الفوضوي ويفضلون التهديم والإرهاب وبما يسمونه الإشتراكية. في حين إنهما وكل من يدّعي الإشتراكية في سوريا بعيدون كلّ البعد عن الإشتراكية، لأنهم إلى الآن لا يعلمون ما هي الإشتراكية. فالشيوعي يدّعي إنه إشتراكي والفوضوي يسمّي نفسه إشتراكياً. إنّ الإشتراكية كلمة تُستعمل للتّغطية والإستغلال. لقد حاربوني في حماه حرباً شعواء كي لا أصل إلى المجلس النيابي ولكنني كنت متهيئاً لجميع وسائل التّهديد والوعيد التي جوبهت بها لإنسحابي وقد وصلت لدرجة التّهديد بالإغتيال ولكنني بقيت مصراً على موقفي إلى أن وصلت إلى المجلس النيابي. وفي المجلس كان موقفي ضدّ العسكريين كما كان سابقاً. وكان المجلس قد انتُخب لكي يكون بمثابة جمعية تأسيسية لسنّ القانون الأساسي للبلاد. (بُدىء ببحث هذا القانون الأساسي سنة 1928) وقد سار المجلس بهذا العمل إلى أن قام أديب الشيشكلي بانقلابه على الحناوي. وكان أديب الشيشكلي قد اشترك في السابق بالإنقلاب على حسني الزعيم، كما كان قد اشترك بالإنقلاب على شكري القوتلي. وها هو الآن يقوم بانقلاب على الحناوي بالإشتراك مع أكرم الحوراني، فقاما بهذه العملية الأخيرة معاً واقتيد الحناوي ومن كان معه من الضباط إلى السجن حيث قضوا بضعة أشهر أُخرجوا بعدها من البلاد. فأتى الحناوي إلى رأس بيروت حيث قتله ابن عمي أنا اسمه حرشو البرازي ثأراً لمحسن البرازي، الذي قُتل على أثر إنقلاب الحنّاوي فاعتبر الحناوي إنه هو الذي قتل محسناً فثأر له حرشو، ثمّ قُبض على حرشو ووُضع السجن. وبالحقيقة ليس للحناوي أية علاقة بمقتل محسن كل ما في الأمر أن الحناوي وُضعَ واجهة في الإنقلاب. أما المحرّض الحقيقي على قتل محسن فهو أكرم الحوراني. وذلك أنهم أخذوا محسن من بيته بلباس النوم أخذوا معه ابنه خالد، وكان له من العمر حوالي عشر سنوات واتّجهوا بهما إلى بيت أكرم الحوراني وهناك رُتّبت عملية قتله. (03:19:02) ج ـ في ذلك الوقت كانوا يأخذون مَن يجدون في البيت ولم يكن في البيت إلاّ ابنه الصغير أما زوجه فكانت قد توفيت. وقد أرجعوا الولد إلى البيت بعد أن قتلوا أباه أمامه. (03:19:33) ج ـ نعم، واسمه خالد البرازي. (03:19:39) ج ـ درس في فرنسا ولكنه لم يكمل دروسه. غير أنه ذكي ولغته الفرنسية قوية لأن والدته فرنسية. (03:20:07) وبعد الإنقلاب على الحناوي ومقتله أصبح أديب الشيشكلي رأس الضباط. (03:20:09) ج ـ بقي المجلس على ما كان عليه في عهد الحناوي. ثمّ أصبح أديب الشيشكلي معاوناً لرئيس الأركان، وأتوا بضابط يدعى فوزي سلو (رئيساً للأركان) وكان هذا الضابط ضعيف الإرادة والكرامة وعديم الشئمة. أتوا به لأنه برتبة لواء. وكان موقفي في المجلس النيابي موقف المعارض للدكتاتورية وللحكم العسكري. واستمرّ أديب الشيشكلي في طغيانه وتدخّلاته بالشؤون العسكرية إلى أن أقدم على حلّ المجلس النيابي. حُلّ المجلس النيابي. كان أديب الشيشكلي، قبل ذلك معاوناً لرئيس الأركان وكان رئيس الوزارة خالد العظم. أما رئيس الجمهورية فكان المرحوم هاشم الأتاسي. في ذلك الوقت قام بزيارة سوريا المسيو تريغفيلي، الأمين العام للأمم المتّحدة، وهو أوّل أمين عام للأمم المتّحدة وقد دعته الحكومة السورية لزيارة البلاد وفي أثناء الحفلة الرسمية الّتي أُقيمت له في دمشق ترك رئيس الجمهوري وخالد العظم ووزير المالية عبد الرحمن العظم الضيف وتوجّهوا إلى قاعة مجلس الوزراء. فاقتربت منهم وسألتهم عن سبب تركهم الضيف فأجابني خالد العظم: "نريد إصدار قرار". فقلت: "أي قرار"؟ قال: "سننصّب أديب الشيشكلي رئيساً للأركان". أما أنا فقد كنت ضدّ أديب الشيشكلي وذلك لأنه كان يتدخّل بالشؤون السياسية وهو لا يزال معاون رئيس الأركان، فكيف إذا ما أصبح رئيساً للأركان؟ هذا وقد كنت أعرف عنه أشياء كثيرة لم يكن خالد العظم يعرفها. فقلت له: "ولكن هذه عملية جنائية. فحذار أن تفعل ذلك. هذا الرجل يقوم بدور خطير الآ | |